كشفت دراسة علمية حديثة أن ارتفاع مستوى سطح البحر يلتهم الأراضي الزراعية الساحلية بوتيرة أسرع كثيرًا مما كان متوقعًا، في ظاهرة تهدد الأمن الغذائي والمجتمعات الريفية بصورة متزايدة، بينما لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بالمخاطر التي تواجه المدن الساحلية الكبرى.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Sustainability، أن نحو 25 ألف فدان من الأراضي الزراعية في أحواض خليج تشيسابيك وخليج ديلاوير بالولايات المتحدة تحولت إلى مستنقعات ملحية بين عامي 1984 و2022، وفقًا لبيانات أقمار صناعية ودراسات ميدانية امتدت لأربعة عقود.
وأشار الباحثون إلى أن المياه المالحة تتسلل تدريجيًا إلى الأراضي الزراعية عبر المياه الجوفية والجداول المدّية والعواصف الساحلية، ما يؤدي إلى موت النباتات والمحاصيل غير القادرة على تحمل الملوحة، لتحل محلها نباتات المستنقعات المالحة.
غزو المستنقعات المالحة
وقال الباحث المشارك في الدراسة، مات كيروان، إن هناك اعتقادًا شائعًا بأن المزارعين سيتمكنون دائمًا من حماية أراضيهم بسبب قيمتها الاقتصادية، لكن الواقع أثبت عكس ذلك.
وأضاف، أن كثيرًا من المزارعين حاولوا بالفعل إنشاء حواجز ترابية وسواتر لمنع تسرب المياه المالحة، إلا أن تلك الإجراءات لم تنجح سوى في إبطاء الخسائر، دون القدرة على إيقافها بشكل كامل.
وأظهرت الدراسة، أن الأراضي الزراعية تتعرض لغزو المستنقعات المالحة بمعدل يصل إلى سبعة أضعاف مقارنة بالغابات في المناطق نفسها، وهو ما اعتبره الباحثون نتيجة مباشرة لطبيعة المحاصيل الزراعية قصيرة العمر مقارنة بالأشجار التي قد تتحمل الضغوط البيئية لعقود قبل أن تنهار.
وأوضح كيروان أن تدهور الأراضي الزراعية يحدث بصورة تدريجية وغير لافتة للنظر، فقد يبدأ الأمر بتحول صفوف من المحاصيل عند أطراف الحقول إلى اللون البني بدلًا من الأخضر، لكنه ينتهي بخسارة آلاف الأفدنة من الإنتاج الزراعي.
نقص واضح في التمويل والاهتمام
كما بيّنت الدراسة، أن بعض الحواجز القديمة التي أُنشئت منذ سبعينيات القرن الماضي في ولايتي فيرجينيا وماريلاند لا تزال تساعد جزئيًا في الحد من التآكل، إلا أن كثيرًا منها أصبح مهجورًا ومحاطًا بالمستنقعات، في ظل صعوبة بناء دفاعات ساحلية جديدة بسبب القيود التنظيمية والتكاليف المرتفعة.
وأكدت الباحثة الرئيسية للدراسة، جريس مولينو، أن المناطق الريفية الساحلية تعاني من نقص واضح في التمويل والاهتمام مقارنة بالمناطق الحضرية، رغم أن معظم السواحل الأمريكية تقع في مناطق غير مطورة عمرانيًا.
وأضافت أن التأثيرات في المناطق الريفية قد تبدو أقل وضوحًا، لكنها لا تقل خطورة، إذ تؤدي تدريجيًا إلى خسائر كبيرة في الأراضي الزراعية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
المستنقعات المالحة مهددة بارتفاع مستوى البحر
ورصد الباحثون أيضًا جانبًا بيئيًا معقدًا في هذه الظاهرة، إذ إن المستنقعات المالحة نفسها مهددة بارتفاع مستوى البحر، ما يدفعها إلى التوسع نحو الأراضي المرتفعة، بما في ذلك الحقول الزراعية، للبقاء على قيد الحياة.
وفي بعض الحالات، بدأ ملاك الأراضي بالفعل في تحويل الأراضي التي أصبحت شديدة الملوحة إلى موائل للحياة البرية بدلًا من استخدامها للزراعة، في محاولة للتكيف مع الواقع البيئي الجديد.
وأكدت أن فهم القرارات التي يتخذها المزارعون وملاك الأراضي سيكون عنصرًا أساسيًا في وضع استراتيجيات فعالة للتكيف مع ارتفاع مستوى سطح البحر خلال العقود المقبلة.
