حذرت دراسة جديدة من أن الاتجاه المتزايد لتحويل الحدائق الأمامية للمنازل إلى مواقف سيارات مرصوفة يفاقم ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة ليلًا، ويزيد مخاطر الفيضانات ويؤثر سلبًا في التنوع البيولوجي داخل المدن.
وأوضح الباحثون أن الليالي الحارة أصبحت أكثر شيوعًا في المملكة المتحدة نتيجة تغير المناخ، لكن إزالة النباتات واستبدالها بالخرسانة أو الأسفلت تمثل عاملًا إضافيًا يساهم في احتجاز الحرارة داخل الأحياء السكنية.
الحدائق تختفي تدريجيًا
ووفقًا لتقرير صادر عن الجمعية الملكية البريطانية للبستنة (RHS) عام 2025، أصبحت 42% من مساحة الحدائق المنزلية في المملكة المتحدة مغطاة بمواد صلبة، بينما وصلت النسبة في الحدائق الأمامية إلى 55%.
وتشير البيانات إلى أن نسبة الحدائق الأمامية المرصوفة بالكامل ارتفعت من نحو 8% عام 2005 إلى حوالي 24% بحلول عام 2015، مع استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات الأخيرة.
ويبلغ عدد الحدائق المنزلية في بريطانيا نحو 20.6 مليون حديقة، تغطي مساحة تزيد على 500 ألف هكتار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة جميع المحميات الطبيعية الوطنية في البلاد، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في دعم التنوع البيولوجي.
كيف يزيد الرصف حرارة المدن؟
توضح الدراسة أن الأسطح غير المنفذة للمياه، مثل الأسفلت والخرسانة، تمتص ما يصل إلى 95% من الإشعاع الشمسي خلال النهار، لتصل درجة حرارة سطحها إلى ما بين 50 و55 درجة مئوية، مقارنة بـ 27 إلى 32 درجة مئوية فقط في المناطق المغطاة بالعشب أو الأشجار.
وتحتفظ هذه المواد بالحرارة طوال النهار، ثم تطلقها تدريجيًا بعد غروب الشمس، وهو ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة ليلًا، خاصة أثناء موجات الحر.
ويُعرف هذا التأثير باسم “الجزيرة الحرارية الحضرية”، حيث ترتفع حرارة المدن عادة بمقدار يتراوح بين درجة وثلاث درجات مئوية مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة.
مخاطر صحية متزايدة
يحذر الباحثون من أن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا يقلل قدرة الجسم على التعافي من حرارة النهار، ما يزيد مخاطر الإصابة بالإجهاد الحراري، خاصة لدى كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.
وأشاروا إلى أن موجة الحر التي شهدتها لندن عام 2018 ارتبطت بنحو 399 حالة وفاة ناجمة عن تأثير ارتفاع درجات الحرارة الليلية، من أصل 785 وفاة مرتبطة بالحرارة في منطقة لندن الكبرى.
فوائد المساحات الخضراء
تلعب النباتات والأشجار دورًا مهمًا في تبريد المدن من خلال الظل وعملية النتح والتبخر، التي تطلق بخار الماء إلى الهواء وتخفض درجات الحرارة بصورة طبيعية.
وتشير الدراسة إلى أن استبدال الأسطح المرصوفة بالعشب يمكن أن يخفض درجات حرارة الأسطح نهارًا بمقدار 1.5 إلى درجتين مئويتين، ويقلل حرارة الليل بنحو 0.3 إلى 0.5 درجة مئوية.
أما زراعة الأشجار فتضاعف هذا التأثير، إذ يمكن أن تخفض درجات الحرارة نهارًا بين 2 و3 درجات مئوية، وتخفض حرارة الليل بما يصل إلى درجة مئوية واحدة.
كما أن زيادة الغطاء النباتي داخل المدن بنسبة 10% قد تسهم في خفض متوسط درجة حرارة الهواء بنحو 0.5 درجة مئوية.
فوائد تتجاوز التبريد
لا تقتصر أهمية الحدائق المنزلية على خفض درجات الحرارة، بل تساعد أيضًا على:
• امتصاص مياه الأمطار وتقليل مخاطر الفيضانات.
• تنقية الهواء من الملوثات.
• دعم التنوع البيولوجي والحشرات الملقحة.
• تحسين الصحة النفسية وجودة الحياة.
وتقدر الجمعية الملكية للبستنة أن استعادة الغطاء النباتي في مليون حديقة أمامية يمكن أن يوفر ملايين اللترات من مياه الأمطار التي كانت ستتدفق إلى شبكات الصرف سنويًا.
حلول عملية
شير الباحثون إلى أن امتلاك موقف سيارة لا يعني بالضرورة اللجوء إلى الخرسانة أو الأسفلت، إذ يمكن استخدام مواد منفذة للمياه مثل الحصى أو الرصف النفاذ، مع الإبقاء على مساحات مزروعة بالنباتات.
كما دعوا إلى تقديم حوافز مالية للأسر، مثل تخفيضات ضريبية أو منح لإنشاء حدائق مطرية، إضافة إلى تحديث قوانين التخطيط العمراني بما يشجع الحفاظ على المساحات الخضراء الخاصة باعتبارها جزءًا من البنية التحتية البيئية للمدن.
وأكدت الدراسة أن حماية آلاف الحدائق المنزلية واستعادتها قد توفر تأثيرًا تراكميًا ملموسًا في تبريد المدن، مع توقع ازدياد موجات الحر وتكرارها نتيجة تغير المناخ.
