في ظل التوسع العالمي المتسارع في استخدام مستحضرات التجميل، تبرز تساؤلات ملحّة حول سلامة هذه المنتجات وتأثيراتها على صحة الإنسان والبيئة.
فبينما تُستخدم هذه المنتجات يوميًا لتحسين المظهر وتعزيز الثقة بالنفس، تكشف دراسات علمية حديثة أن وراء هذا الاستخدام الواسع مخاطر خفية لا يدركها كثير من المستهلكين.
تشير مراجعة علمية حديثة إلى أن مستحضرات التجميل قد تحتوي على أكثر من 10 آلاف مادة كيميائية، تُستخدم في التصنيع بهدف تحسين القوام والرائحة وزيادة مدة الصلاحية.
إلا أن عددًا كبيرًا من هذه المواد يرتبط بتأثيرات صحية سلبية، تتراوح بين التهيجات الجلدية البسيطة وصولًا إلى أمراض خطيرة مثل السرطان واضطرابات الجهاز الهرموني.
وتؤكد الدراسة أن التعرض المستمر لهذه المواد، حتى بكميات صغيرة، قد يؤدي إلى تراكمها داخل الجسم، ما يرفع من احتمالات الإصابة بمشكلات صحية مزمنة.
ومن بين أبرز هذه المواد: “البارابين” المستخدم كمادة حافظة، والذي ارتبط باضطرابات هرمونية، و”الأوكسي بنزون” الموجود في بعض منتجات الوقاية من الشمس، والذي تشير أبحاث إلى تأثيره على التوازن الهرموني، فضلًا عن “التريكلوسان” الذي قد يسهم في زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
كما كشفت الدراسة عن وجود معادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم في بعض مستحضرات التجميل، خاصة تلك المرتبطة بالألوان مثل أحمر الشفاه وظلال العيون.
وتشكل هذه المعادن خطرًا كبيرًا على الصحة، إذ ترتبط بتلف الجهاز العصبي، ومشكلات في الكلى، واضطرابات في النمو لدى الأطفال.
ولا تقتصر المخاطر على صحة الإنسان فحسب، بل تمتد لتشمل البيئة أيضًا. فمع الاستخدام اليومي لمستحضرات التجميل، تنتقل كميات كبيرة من هذه المواد الكيميائية إلى شبكات الصرف الصحي، والتي لا تتمكن في كثير من الأحيان من التخلص منها بالكامل.
ونتيجة لذلك، تصل هذه المواد إلى الأنهار والبحار، حيث تتراكم في الكائنات البحرية وتؤثر سلبًا على النظم البيئية.
وتوضح الدراسة أن بعض المكونات، مثل الفلاتر فوق البنفسجية والبارابين، يمكن أن تتراكم في الأحياء المائية، مسببة اضطرابات في وظائفها الحيوية، كما تسهم في تدهور الشعاب المرجانية والإضرار بالتنوع البيولوجي.
إضافة إلى ذلك، تشكل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المستخدمة في بعض منتجات التقشير خطرًا متزايدًا على الحياة البحرية، حيث يتم ابتلاعها من قبل الكائنات البحرية وتنتقل عبر السلسلة الغذائية.
من ناحية أخرى، تلقي الدراسة الضوء على التأثير البيئي لصناعة مستحضرات التجميل نفسها، بدءًا من استخراج المواد الخام وصولًا إلى عمليات التصنيع والتغليف.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الصناعة تنتج نحو 120 مليار عبوة سنويًا، معظمها لا يتم إعادة تدويره بشكل كافٍ، ما يؤدي إلى تراكم كميات هائلة من النفايات في البيئة.
كما تسهم زراعة المواد الطبيعية المستخدمة في بعض المنتجات، مثل الزيوت النباتية، في إزالة الغابات وتدهور التربة نتيجة الاستخدام المكثف للمبيدات والأسمدة، ما يفاقم من الضغوط البيئية.
وفيما يتعلق بالرقابة، تكشف الدراسة عن فجوات واضحة في تنظيم صناعة مستحضرات التجميل، خاصة في بعض الدول النامية، حيث لا تخضع المنتجات لنفس مستوى التدقيق المفروض على الأدوية.
كما تعتمد العديد من الأنظمة على التزام الشركات المصنعة بضمان سلامة منتجاتها، وهو ما قد يتأثر باعتبارات التكلفة والمنافسة في السوق.
وتشير البيانات إلى تفاوت كبير في القوانين التنظيمية بين الدول، حيث تفرض بعض الجهات، مثل الاتحاد الأوروبي، قيودًا صارمة على مئات المواد الكيميائية، في حين تظل القيود أقل صرامة في أسواق أخرى، ما يثير مخاوف بشأن سلامة المنتجات المتداولة عالميًا.
في المقابل، يظل وعي المستهلك عاملًا حاسمًا في الحد من هذه المخاطر. إذ تؤكد الدراسة أن نسبة كبيرة من المستخدمين لا تقرأ مكونات المنتجات قبل شرائها، ما يزيد من احتمالات التعرض لمواد ضارة دون علم.
ويرى خبراء أن الحل لا يكمن في التوقف عن استخدام مستحضرات التجميل، بل في اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، من خلال اختيار منتجات موثوقة، والاطلاع على مكوناتها، والاعتماد قدر الإمكان على البدائل الأكثر أمانًا وصديقة للبيئة.
وفي ظل تزايد الأدلة العلمية على المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بمستحضرات التجميل، تبرز الحاجة إلى تعزيز الرقابة، وتحديث التشريعات، وزيادة الشفافية من جانب الشركات، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى المستهلكين، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستخدام الآمن والحفاظ على صحة الإنسان وسلامة البيئة.
