قد يؤدي «إل نينيو» شديد القوة إلى نحو 451 ألف وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة حول العالم بين الآن ونهاية فبراير 2027، وفق تقديرات باحثين من مختبر تأثيرات المناخ بجامعة شيكاغو «Climate Impact Lab»، فيما يُتوقع أن تكون منطقة الساحل الأفريقي الأكثر تضررًا، وأن تسجل نيجيريا أعلى حصيلة وفيات حرارية مرتبطة بالظاهرة على مستوى العالم.
وجمع الباحثون بين توقعات درجات الحرارة ودراسات سابقة حول العلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات في 24,378 منطقة حول العالم، لتقدير الزيادة المحتملة في الوفيات مقارنة بالعام المعتاد.
ويشير التقرير إلى أن أربع دول في منطقة الساحل ستكون الأكثر تأثرًا خلال الفترة من سبتمبر 2026 حتى نهاية فبراير 2027، وهي نيجيريا والسودان والنيجر وتشاد.
الساحل الأفريقي في قلب موجة الخطر
يمتد إقليم الساحل عبر القارة الأفريقية من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، بين الصحراء الكبرى شمالًا والسافانا المدارية جنوبًا، وتبلغ مساحته نحو 3.05 مليون كيلومتر مربع.
ويشمل أجزاء من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد ونيجيريا والسودان والسنغال وإريتريا.
وتشير التوقعات إلى أن الدول الأربع الأكثر تعرضًا قد تشهد مجتمعة نحو 66,800 وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة مقارنة بسنة عادية.
وتتصدر نيجيريا هذه التقديرات بنحو 31,400 وفاة إضافية، تليها السودان بنحو 17,500 وفاة، ثم النيجر بنحو 10,000 وفاة، وتشاد بنحو 8,000 وفاة.
ويجعل ذلك نيجيريا، وفق النموذج المستخدم في الدراسة، الدولة الأكثر احتمالًا لتسجيل أعلى عدد من الوفيات المرتبطة بالحرارة عالميًا خلال فترة تأثير «إل نينيو» المتوقعة.
ويرتبط ارتفاع المخاطر في المنطقة بكون بعض أكبر الانحرافات المتوقعة في درجات الحرارة عالميًا خلال الأشهر الستة المقبلة قد تحدث فوق منطقة الساحل، ما يجعل تأثير الظاهرة أكثر وضوحًا هناك.
لماذا نيجيريا والساحل أكثر هشاشة؟
لا يرتبط خطر الحرارة بدرجة الحرارة وحدها، إذ تشير الدراسة إلى أن المناطق الفقيرة تميل إلى تسجيل وفيات حرارية أكثر من المناطق الأكثر ثراءً عند التعرض لدرجات حرارة متشابهة، بسبب اختلاف القدرة على حماية السكان من الحرارة الشديدة.
وفي نيجيريا، تشير البيانات المستخدمة في التقرير إلى أن أكثر من 60% من السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر الوطني في عام 2025، بينما تعاني حتى المنازل المتصلة بشبكة الكهرباء من انقطاعات في التيار.
وفي السودان، أدت الحرب إلى تدمير أعمال ووظائف وإلحاق أضرار بإمدادات الكهرباء، بينما تشير التقديرات إلى أن نحو 57% من السكان كانوا يعيشون في فقر مدقع عام 2025.
وفي النيجر، كان 41% من السكان تحت خط الفقر الوطني وفق بيانات عام 2021، بينما بلغت النسبة في تشاد 44.8% عام 2022.
ويعتمد عدد كبير من سكان النيجر وتشاد على الزراعة، ما يجعلهم أكثر تعرضًا لتأثيرات الجفاف وضعف المحاصيل، في وقت لا تتوفر فيه الكهرباء إلا لنحو 21% من سكان النيجر و13% من سكان تشاد عام 2024.
وهذا يعني أن معظم السكان في البلدين لا يمتلكون حتى إمكانية تشغيل مروحة كهربائية بصورة موثوقة أثناء موجات الحر.
كيف حُسبت أعداد الوفيات؟
لم تعتمد الدراسة على عدّ مباشر للوفيات، وإنما استخدمت نمذجة إحصائية ومناخية تجمع بين توقعات درجات الحرارة وتأثير الحرارة المعروف على معدلات الوفيات.
استخدم الباحثون التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى «ECMWF» لتقدير مدى اختلاف درجات الحرارة المتوقعة عن المعدلات الطبيعية خلال الأشهر الستة المقبلة.
بعد ذلك، استخدموا نتائج أبحاث محكمة سابقة من مختبر تأثيرات المناخ لترجمة هذه التغيرات في درجات الحرارة إلى تقديرات للوفيات المرتبطة بالحرارة.
ويأخذ النموذج في الاعتبار الظروف المناخية المحلية، ومستوى تعرض السكان للخطر، وقدرتهم على التعامل مع الحرارة، ويقارن الوفيات المتوقعة بالمتوسط المسجل خلال الأشهر نفسها في الفترة بين 1996 و2025.
وبالتالي، فإن رقم 451 ألف وفاة هو تقدير لنحو الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة مقارنة بالمستوى المعتاد، وليس توقعًا لعدد إجمالي الوفيات من جميع الأسباب.
من الأكثر تعرضًا داخل هذه الدول؟
الدراسة الحالية لم تحدد بشكل مباشر الفئات الأكثر تعرضًا داخل كل دولة، لكن مجموعة واسعة من الأبحاث السابقة تشير إلى ارتفاع مخاطر الحرارة بين كبار السن فوق 65 عامًا، والأطفال من عمر صفر إلى 4 سنوات، والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.
وفي أفريقيا، يواجه العاملون في الهواء الطلق خطرًا إضافيًا، خصوصًا المزارعين والعمال الذين يقضون ساعات طويلة تحت الشمس، بينما يزداد الخطر لدى الأشخاص الذين لا يمتلكون وسائل تبريد داخلية.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في المناطق التي تعاني ضعف الوصول إلى الكهرباء، لأن ارتفاع درجات الحرارة لا يتزامن بالضرورة مع القدرة على تشغيل أجهزة التكييف أو حتى المراوح.
الفقر الحراري.. الكهرباء المتاحة لا تكفي للتبريد
وأظهرت أبحاث أخرى أجراها مختبر تأثيرات المناخ أن السكان في البلدان منخفضة الدخل لا يملكون سوى قدر محدود جدًا من الكهرباء الإضافية لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.
ووفق تلك الأبحاث، فإن الزيادة في استهلاك الكهرباء للفرد خلال فترات الحر الشديد في البلدان منخفضة الدخل تعادل تقريبًا الطاقة اللازمة لتشغيل مصباح LED واحد لمدة أربعة أشهر، وهي كمية بعيدة جدًا عن احتياجات تشغيل مكيف هواء.
ويشير الباحثون إلى احتمال اتساع فجوة الحماية من الحرارة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ تستطيع الدول الأكثر ثراءً زيادة استخدام أجهزة التكييف، بينما تواجه الدول الأكثر فقرًا والأشد حرارة قيودًا مالية وكهربائية تحد من قدرتها على توفير التبريد للسكان.
وتشير أبحاث المختبر إلى وجود 18 دولة تقع في تقاطع خطير بين الحرارة الشديدة ونقص وسائل التبريد، معظمها في شمال أفريقيا جنوب الصحراء، ومن بينها النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد.
ما الذي يمكن للحكومات فعله قبل موجات الحر؟
يرى الباحثون أن الإجراءات الأسرع لإنقاذ الأرواح هي تلك التي أثبتت فعاليتها بالفعل، بدلًا من انتظار حلول طويلة الأجل.
ومن أبرز الإجراءات المقترحة:
• أنظمة الإنذار المبكر التي تحذر السكان من موجات الحر قبل وصولها.
• ربط الإنذارات بـ خطط عمل لمواجهة الحرارة تساعد السكان على تقليل تعرضهم للحرارة.
• التواصل الصحي المباشر مع كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
• إنشاء مراكز تبريد حكومية في المناطق الأكثر تعرضًا.
• توفير محطات للمياه والترطيب خلال فترات الحرارة القصوى.
• توفير حماية أكبر للعاملين في الهواء الطلق خلال الساعات الأكثر خطورة.
• زيادة استعداد المستشفيات لاستقبال أعداد أكبر من المصابين بضربات الشمس والإجهاد الحراري.
وفي منطقة الساحل، يمكن للحكومات الاستعداد مسبقًا لزيادة أعداد المرضى في المستشفيات، من خلال توظيف موظفين إضافيين، وتأمين المستلزمات الطبية، وإعداد المستشفيات للتعامل مع الارتفاع المحتمل في حالات ضربة الشمس والإجهاد الحراري خلال فترات ذروة الحرارة.
إنذار مناخي يتجاوز الحرارة نفسها
تكشف هذه التقديرات أن تأثير ظاهرة «إل نينيو» لا يعتمد فقط على مقدار ارتفاع درجات الحرارة، وإنما على قدرة المجتمعات على حماية سكانها من هذا الارتفاع.
فالمجتمعات التي تفتقر إلى الكهرباء والتبريد والخدمات الصحية القادرة على الاستجابة السريعة قد تواجه آثارًا صحية أكبر حتى عند درجات حرارة مماثلة لتلك التي تتعرض لها دول تمتلك موارد أكبر.
ولهذا، فإن مواجهة موجات الحر في الساحل الأفريقي لا تتعلق فقط بالتنبؤ بدرجات الحرارة، وإنما أيضًا بقدرة الحكومات على تحويل تلك التنبؤات إلى إنذارات مبكرة، وخطط صحية، ومياه وتبريد، وحماية للعمال والسكان الأكثر تعرضًا للخطر قبل وصول موجات الحرارة القصوى.
