كشفت دراسة علمية حديثة أن صحة الأب ووزنه قبل الإنجاب قد يلعبان دورًا مهمًا في تحديد خطر إصابة أطفاله بالسمنة مستقبلًا، ما يسلط الضوء على أهمية دور الآباء في صحة الأبناء منذ ما قبل الحمل.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Current Obesity Reports.
ولطالما ركزت الأبحاث المتعلقة بأسباب السمنة لدى الأطفال على صحة الأم خلال فترة الحمل، بما في ذلك النظام الغذائي والوزن والعوامل البيئية المحيطة بها. غير أن مراجعة علمية جديدة تشير إلى أن الآباء ليسوا مجرد عامل ثانوي في هذه المعادلة، بل قد يكون لهم تأثير مباشر يبدأ قبل حدوث الحمل.
وأجرى الدراسة الباحث ماثيو ج. لاندري، الأستاذ المساعد في صحة السكان وأخصائي التغذية المسجل في جامعة كاليفورنيا بإيرفاين، بالتعاون مع جون جيمس باركر من جامعة نورث وسترن، حيث راجع الباحثان نتائج أبحاث امتدت لعقد كامل لدراسة تأثير صحة الآباء على أوزان أطفالهم.
الأب ينقل إلى طفله نصف المادة الوراثية
وأوضح الباحثون، أن الأب ينقل إلى طفله نصف المادة الوراثية عند الإخصاب، وأن العوامل الجينية تفسر ما بين 40% و70% من خطر الإصابة بالسمنة.
لكن الدراسة تشير إلى أن التأثير لا يقتصر على الجينات وحدها، إذ يمكن للسمنة لدى الأب أن تترك علامات كيميائية حيوية على الحيوانات المنوية تؤثر في طريقة عمل الجينات لدى الجنين خلال المراحل المبكرة من النمو.
وأظهرت الدراسات، أن الرجال المصابين بالسمنة يعانون عادة من انخفاض عدد الحيوانات المنوية وضعف حركتها وزيادة معدلات تلف الحمض النووي DNA داخلها مقارنة بالرجال ذوي الوزن الصحي.
كما بينت أبحاث واسعة النطاق، أن أبناء الآباء المصابين بالسمنة يواجهون احتمالات أعلى للإصابة بالسمنة، حتى بعد أخذ وزن الأم وعواملها الصحية في الاعتبار.
فقدان الوزن يمكن أن يغير الأنماط الكيميائية
وفي المقابل، حملت النتائج جانبًا إيجابيًا يتمثل في أن هذه التأثيرات ليست دائمة أو غير قابلة للتغيير، فقد أظهرت الدراسات أن فقدان الوزن يمكن أن يغير الأنماط الكيميائية الموجودة في الحيوانات المنوية.
وفي إحدى الدراسات، شهد رجال خضعوا لجراحات إنقاص الوزن تغيرات ملحوظة في العلامات الكيميائية للحيوانات المنوية خلال عام واحد فقط، خاصة في المناطق المرتبطة بالجينات المسؤولة عن تنظيم الشهية.
وأشار الباحثون إلى أن تحسين النظام الغذائي وزيادة النشاط البدني يساهمان أيضًا في تعزيز جودة الحيوانات المنوية، حتى بمعزل عن فقدان الوزن نفسه.
ولفتت الدراسة إلى أن الأشهر الثلاثة إلى الستة السابقة لحدوث الحمل تمثل فترة حاسمة، إذ تتشكل خلالها الحيوانات المنوية الجديدة وتتأثر بشكل مباشر بعادات الأب الصحية ونمط حياته.
كما تناولت الدراسة تأثير الأبوة على صحة الرجال أنفسهم، حيث أظهرت أبحاث طويلة المدى أن وزن الرجال ومحيط الخصر ونسبة الدهون في الجسم تميل إلى الارتفاع خلال فترة الحمل وبعد ولادة الطفل، نتيجة انخفاض ساعات النوم وارتفاع مستويات التوتر وتراجع النشاط البدني.
الأطفال يتأثرون بالسلوكيات اليومية لآبائهم
وأكد الباحثون، أن الأطفال يتأثرون أيضًا بالسلوكيات اليومية لآبائهم، إذ يميلون إلى تقليد عاداتهم الغذائية ومستويات نشاطهم البدني.
فالأب الذي يشارك في إعداد الطعام وتناول الوجبات العائلية وممارسة الأنشطة البدنية مع أطفاله غالبًا ما يسهم في بناء عادات صحية أفضل لدى أبنائه.
وأشارت الدراسة إلى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل مستوى الدخل والأمن الغذائي وظروف المعيشة، تؤثر كذلك في صحة الآباء وبالتالي في صحة الأطفال.
كما تلعب الصحة النفسية دورًا مهمًا، حيث ترتبط السمنة والاكتئاب بعلاقة متبادلة؛ فكل منهما يزيد من احتمالات الإصابة بالآخر.
وقد ينعكس اكتئاب الأب على صحة الأسرة ككل، من خلال تقليل مشاركته في رعاية الأطفال أو التأثير على متابعة الرعاية الصحية للأسرة.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة تفتح المجال أمام إعادة النظر في برامج التوعية الصحية قبل الحمل، بحيث تشمل الآباء إلى جانب الأمهات، خاصة أن تحسين صحة الرجل قبل الإنجاب قد يساهم في تقليل احتمالات إصابة الأبناء بالسمنة على المدى الطويل.
وخلصت الدراسة إلى أن صحة الأب ليست مجرد عامل ثانوي في رحلة الإنجاب، بل عنصر أساسي قد يؤثر في مستقبل الأبناء الصحي منذ اللحظات الأولى لتكوينهم، ما يجعل تبني نمط حياة صحي قبل الإنجاب استثمارًا في صحة الأجيال القادمة.
