مع تصاعد التحذيرات بشأن تغيّر المناخ، يزداد التساؤل حول مدى تأثير الأفعال الفردية على الأزمة البيئية العالمية.
فهل يمكن لتصرّفاتنا اليومية، أو لطريقة تصويتنا، أو حتى لاختيار البنك الذي نودع فيه أموالنا، أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في مستقبل المناخ؟
الإجابة، وفقًا لمجموعة متزايدة من الأبحاث العلمية، هي: نعم، وبشكل يفوق التوقعات.
فمن خلال مشروع علمي جديد يحمل اسم “شِفت” (Shift) – اختصارًا لـ “المبادرة فائقة التأثير لإنقاذ الغد” – يسعى باحثون من جامعة لوند السويدية، بالتعاون مع مؤسسة Project Drawdown الأمريكية، إلى تحديد أكثر الإجراءات الفردية فاعلية في تقليل الانبعاثات الكربونية.
المشروع يقوده العالمة كيمبرلي نيكولاس، أستاذة دراسات الاستدامة في جامعة لوند، التي تقول إن التركيز على سلوك المستهلك لم يعد كافيًا، وأنه حان الوقت لتوسيع النظرة نحو ما تسميه “القوى المناخية الخمس” التي يمتلكها كل فرد: المستهلك، المواطن، المستثمر، المهني، والقدوة.
وتضيف “هدفنا هو أن يدرك الناس مدى القوة التي يملكونها بالفعل، وأنهم قادرون على إحداث فرق حقيقي في مواجهة التغير المناخي”.
• “المواطن أولًا”: قوة الصوت الانتخابي
تشير الأبحاث إلى أن المشاركة السياسية الواعية قد تكون من أقوى الأدوات في يد الفرد لمكافحة الانبعاثات.
فدراسة أجراها الباحث سيث وينز في كندا عام 2019، أظهرت أن التصويت لحزب مؤيد لسياسات المناخ قد يساهم في تجنّب ما يصل إلى 34 طنًا من الانبعاثات سنويًا.
كما أن الاتصال بالممثلين البرلمانيين وإبداء الاهتمام بالقضايا البيئية يترك أثرًا مباشرًا على القرارات السياسية، بحسب مقابلات أجريت مع موظفين في الكونغرس الأمريكي.
أما الاحتجاجات السلمية، فقد أثبتت أبحاث أخرى أنها ساهمت في خفض الانبعاثات في الولايات التي شهدت نشاطًا شعبيًا أكبر.
• دور العمل والمهنة: كل وظيفة يمكن أن تكون “وظيفة مناخية”
تعتبر نيكولاس أن مكان العمل ساحة رئيسية للتأثير، موضحة أن كل مهنة يمكن أن تساهم في الحل، سواء عبر تغيير سياسات الشركات أو عبر دمج الاستدامة في القرارات اليومية.
ومن بين الإجراءات ذات التأثير الكبير، تشجيع المؤسسات على الانضمام إلى مبادرة الأهداف العلمية (SBTi) التي تلتزم بخفض الانبعاثات بما يتوافق مع اتفاق باريس للمناخ.
كما يشمل ذلك توجيه استثمارات الشركات بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وضمان أن تعمل النقابات المهنية والهيئات الصناعية على دعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
المال كقوة مناخية
تكشف الدراسات أن اختيار المكان الذي نودع فيه أموالنا ليس قرارًا ماليًا فحسب، بل هو فعل مناخي مؤثر.
فالبنوك التي تموّل مشروعات الوقود الأحفوري تظل جزءًا من المشكلة، بينما التحول إلى بنوك خالية من الاستثمار في الوقود الأحفوري يمكن أن يضغط على السوق لتغيير سلوكها.
وتشير نيكولاس إلى أن حتى صغار المودعين بإمكانهم التأثير، إذ إن البنوك تعتمد على قاعدة عملائها، “وحين يطالب هؤلاء بالتمويل الأخضر، تتغيّر المعادلة”.
الاستهلاك الواعي: أربع خطوات كبرى
يركز المشروع على أربع خطوات أساسية في السلوك الاستهلاكي ثبت علميًا أنها الأعلى تأثيرًا في خفض الانبعاثات:
– تقليل السفر الجوي.
– خفض الاعتماد على السيارات الخاصة.
– تقليل استهلاك اللحوم الحمراء.
– التحول إلى مصادر طاقة متجددة في المنازل.
لكن نيكولاس تشدد على أن 90% من سكان العالم لا يحتاجون فعليًا إلى تقليل بصمتهم الكربونية، لأن استهلاكهم ضمن المعدلات المستدامة.
المشكلة الحقيقية تكمن في الـ10% الأعلى دخلًا الذين يتجاوزون الميزانية الكربونية المستدامة بعشرة أضعاف، خصوصًا من خلال السفر الجوي المفرط.
بناء المجتمعات المناخية: العدوى الإيجابية
أما أولئك الذين لا يمتلكون دخلاً مرتفعًا أو يعيشون في أنظمة غير ديمقراطية، فيمكنهم التأثير من خلال أن يكونوا قدوة ومصدر إلهام في مجتمعاتهم الصغيرة.
فالدراسات تشير إلى أن تبني سلوك مناخي إيجابي – كتركيب الألواح الشمسية أو تقليل النفايات – ينتشر بالعدوى الاجتماعية، إذ يصبح الآخرون أكثر ميلاً لتقليده.
تقول نيكولاس: “أهم ما يمكن أن نفعله هو الحديث عن المناخ، وكسر دائرة الصمت، أغلب الناس يهتمون بالمشكلة، لكنهم يظنون أن الآخرين لا يهتمون، فيتوقفون عن الكلام”.
من القمة إلى القاعدة: قوة المبادرة الفردية
ورغم البطء في تنفيذ الالتزامات الدولية مثل اتفاق باريس، ترى نيكولاس أن الحل الحقيقي يكمن في التحرك القاعدي و”القيادة من الأسفل”.
فكل فرد يمكنه أن يخصص “20 دقيقة يوميًا”، كما تقول، للعمل على مبادرة أو نشاط مناخي جماعي.
“الأمر لا يحتاج إلى بطل خارق”، تضيف الباحثة، “بل إلى أناس عاديين يفعلون ما يحبون مع من يحبون، باستمرار.”
خلاصة
تؤكد هذه الأبحاث أن مواجهة تغير المناخ لا تتطلب فقط قرارات حكومية كبرى، بل تبدأ من إدراك الفرد لقوته الشخصية كمواطن، ومهني، ومستهلك، ومستثمر، وقدوة.
فحين تتجمع هذه القوى الفردية في اتجاه واحد، يمكن للعالم أن يخطو خطوة حقيقية نحو مستقبل أكثر استدامة.
