قد لا تكون درجات الحرارة التي تعتمد عليها كثير من الدراسات لقياس آثار تغير المناخ دقيقة بالقدر الذي يعتقده الباحثون، إذ كشفت دراسة جديدة أن أخطاء قياس درجات الحرارة يمكن أن تؤدي إلى التقليل من حجم بعض التأثيرات المناخية بنسبة 15% أو أكثر.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن صناع السياسات ومسؤولي المدن يعتمدون بصورة متزايدة على الدراسات الاقتصادية والمناخية لتقدير تأثير موجات الحر ودرجات الحرارة القصوى على مجموعة واسعة من القطاعات، بدءًا من الجريمة والصحة العامة وشبكات الكهرباء، وصولًا إلى المحاصيل الزراعية.
لكن الدراسة الجديدة، المنشورة في Journal of the Association of Environmental and Resource Economists، تكشف عن مشكلة خفية في هذه الأبحاث: درجة الحرارة المستخدمة في التحليل قد لا تمثل الحرارة التي يتعرض لها الناس أو المحاصيل أو الأنشطة الاقتصادية فعليًا.
وبحسب الباحثين، يمكن لأخطاء القياس هذه أن تؤدي إلى تقدير التأثير الحقيقي للحرارة بصورة أعلى أو أقل من الواقع، وتشير النتائج إلى أن الاتجاه العام في عدد من الحالات قد يكون نحو التقليل من حجم آثار تغير المناخ بما لا يقل عن 15%.
لماذا يصعب قياس درجة الحرارة بدقة؟
لا توجد محطات أرصاد جوية في كل شارع أو حي أو مزرعة.
ومع تباعد محطات القياس الفعلية أحيانًا لمسافات كبيرة، يعتمد الباحثون على طرق إحصائية مختلفة لتقدير درجة الحرارة في مواقع لا توجد فيها محطة مباشرة، مثل المدن والأحياء والمناطق الزراعية.
وتسمى هذه القيم المقدرة أحيانًا “مؤشرات أو بدائل درجة الحرارة” (proxies)، وهي ضرورية لإجراء الدراسات المناخية والاقتصادية على نطاق واسع.
لكن الدراسة توضح أن هذه التقديرات يمكن أن تحمل أخطاء كبيرة، وأن حجم الخطأ ليس ثابتًا من مكان إلى آخر، بل يتأثر بصورة منهجية بالتضاريس والجغرافيا وكثافة محطات الرصد وتوزيعها.
وهذا يعني أن درجة الحرارة المقدرة لمنطقة ما قد تختلف بصورة ملحوظة عن الحرارة الفعلية التي يتعرض لها السكان أو المحاصيل أو البنية التحتية.
فرق يصل إلى 15 درجة فهرنهايت
من أبرز الأمثلة التي عرضتها الدراسة مدينة بولدر في ولاية كولورادو الأمريكية، وهي منطقة تتأثر تضاريسها الجبلية بالتباين المحلي الكبير في درجات الحرارة.
ووجد الباحثون أن بعض مؤشرات الحرارة المستخدمة في الدراسات اختلفت عن درجات الحرارة الفعلية بمتوسط يقارب 15 درجة فهرنهايت، أي نحو 8.3 درجات مئوية.
وفي المقابل، كانت الأخطاء أقل بكثير في مناطق أكثر استواءً وتتمتع بشبكة رصد أكثر كثافة، مثل شيكاغو، حيث وصلت في بعض الحالات إلى نحو درجة فهرنهايت واحدة فقط، أي قرابة 0.6 درجة مئوية.
وتوضح هذه المقارنة أن استخدام طريقة واحدة لتقدير درجات الحرارة في جميع المناطق قد لا يكون مناسبًا، لأن البيئة الجغرافية وشبكة الرصد المحلية يمكن أن تغير حجم الخطأ بصورة كبيرة.
خطأ واحد يمكن أن يغير نتائج دراسة كاملة
تكمن المشكلة الأكبر في أن خطأ قياس الحرارة لا يبقى مجرد رقم غير دقيق في قاعدة البيانات.
فعندما يستخدم الباحثون درجة الحرارة المقدرة لدراسة العلاقة بين الحرارة ونتيجة معينة، مثل معدلات الجرائم العنيفة أو الأمراض المرتبطة بالحرارة أو خسائر المحاصيل، فإن الخطأ في درجة الحرارة يمكن أن ينتقل إلى النتيجة النهائية للدراسة.
وقد يؤدي ذلك إلى تضخيم العلاقة بين الحرارة والأثر المدروس في بعض الحالات، أو تقليلها في حالات أخرى.
وبالتالي، فإن تقدير تأثير موجة الحر على الصحة العامة مثلًا يمكن أن يتغير بحسب مدى دقة قياس الحرارة الذي بُني عليه التحليل.
ويصبح الأمر أكثر أهمية عندما تستخدم نتائج هذه الدراسات في تحديد حجم الاستثمارات المطلوبة لمواجهة آثار المناخ.
وقال أليكس يو، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة ويك فورست وأحد مؤلفي الدراسة، إن سوء تقدير شدة تأثير الحرارة القصوى على الجريمة أو خسائر المحاصيل أو حالات الطوارئ الصحية يمكن أن يقود صناع السياسات بدورهم إلى سوء تقدير حجم الاستجابات اللازمة للتعامل مع هذه التأثيرات.
خطأ متوسطه 3.3 درجة فهرنهايت
وجد الباحثون أن أحد مؤشرات الطقس المستخدمة على نطاق واسع سجل متوسط خطأ في قياس درجة الحرارة بلغ 3.3 درجة فهرنهايت، أي نحو 1.85 درجة مئوية.
وتكتسب هذه القيمة أهمية خاصة عند مقارنتها بدرجات الاحترار التي يناقشها العالم في سياق اتفاق باريس للمناخ.
فخطأ القياس البالغ 1.85 درجة مئوية يتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية التي تشكل أحد الأهداف الأساسية في الجهود الدولية للحد من الاحترار العالمي.
وهذا لا يعني أن خطأ قياس محليًا يعادل مقدار الاحترار العالمي، وإنما يوضح حجم الفارق المحتمل بين درجة الحرارة التي يستخدمها الباحث في التحليل والحرارة الفعلية في الموقع.
وتشير الدراسة إلى أن الأخطاء تختلف باختلاف المكان والزمان، ما يجعل التعامل معها باعتبارها خطأً عشوائيًا بسيطًا غير كافٍ في بعض الدراسات.
أكثر من 20 مليون سجل للجريمة
لاختبار تأثير مشكلة القياس بصورة عملية، استخدم الباحثون أكثر من 20 مليون سجل للجريمة، ودرسوا العلاقة بين الحرارة الشديدة والجريمة العنيفة.
في المرحلة الأولى، قدر الباحثون العلاقة بين درجات الحرارة القصوى والجريمة باستخدام بيانات على مستوى المدن، مع بيانات الحرارة والجريمة المتاحة لتلك المدن.
ثم أعادوا تجميع البيانات على مستوى المقاطعات، وهي وحدة جغرافية أكبر وأقل دقة، وأجروا التحليل نفسه مرة أخرى.
والنتيجة كانت لافتة: عندما جرى استخدام المقياس الجغرافي الأكثر اتساعًا، أصبح التأثير المقدر للحرارة الشديدة على الجريمة أصغر.
وتشير هذه النتيجة إلى أن تجميع البيانات على مساحات جغرافية واسعة يمكن أن يخفي جزءًا من العلاقة الحقيقية بين التعرض للحرارة والنتائج التي يدرسها الباحثون.
التضاريس تصنع “جزرًا حرارية” محلية
توضح الدراسة أيضًا أن الحرارة ليست موزعة بصورة متجانسة داخل المنطقة الواحدة.
فالجبال والوديان والارتفاع عن سطح البحر والغطاء النباتي والعمران وكثافة المباني وغيرها من العوامل يمكن أن تصنع فروقًا حرارية كبيرة بين مواقع متقاربة نسبيًا.
ولهذا قد تكون درجة الحرارة المسجلة في محطة أرصاد على بعد عدة كيلومترات غير ممثلة تمامًا للحرارة التي يتعرض لها حي معين أو مزرعة أو منشأة صناعية.
وفي المدن، يمكن أن تزيد الأسطح الإسفلتية والمباني وكثافة النشاط البشري من الاختلافات المحلية في درجات الحرارة، بينما يمكن أن تخلق التضاريس الطبيعية فروقًا إضافية في المناطق الجبلية.
وهذه التفاصيل تصبح مهمة عندما يحاول الباحثون الربط بين الحرارة ونتائج دقيقة على مستوى السكان أو المناطق الصغيرة.
لا توجد أداة واحدة مثالية لقياس الحرارة
لا تطرح الدراسة المشكلة من دون تقديم حلول.
ويشير الباحثون إلى أن لا توجد طريقة واحدة لقياس درجة الحرارة تصلح بأفضل شكل لجميع المناطق.
ففي المناطق التي تتمتع بشبكة كثيفة من محطات الأرصاد، يمكن أن تكون القياسات المباشرة من المحطات القريبة أكثر دقة من بعض المنتجات الحرارية الشبكية المعقدة.
أما في المناطق التي تعاني من ندرة محطات الرصد، فقد تكون البيانات الشبكية أو النماذج التي تجمع مصادر متعددة أكثر فائدة في تقدير درجات الحرارة.
وبالتالي، فإن اختيار أداة القياس ينبغي أن يعتمد على طبيعة المنطقة وكثافة الرصد وتوزيع المحطات والجغرافيا المحلية، بدل افتراض أن المنتج الحراري نفسه يمثل الواقع بدرجة الدقة ذاتها في كل مكان.
الحاجة إلى شبكة رصد أكثر كثافة
يرى الباحثون أن إحدى أكثر الطرق المباشرة لتقليل المشكلة تتمثل في تحسين مراقبة درجات الحرارة مكانيًا.
ويشمل ذلك توسيع شبكات محطات الأرصاد والحفاظ عليها، وزيادة كثافة القياسات في المناطق التي تعاني من نقص البيانات، إلى جانب تحسين طريقة مطابقة بيانات الحرارة مع الأماكن التي يتعرض فيها البشر والمحاصيل والشركات والنظم البيئية للحرارة بالفعل.
وهذه النقطة مهمة خصوصًا مع زيادة الاعتماد على الدراسات التي تحاول تقدير تكلفة تغير المناخ اقتصاديًا واجتماعيًا.
فكلما كانت بيانات التعرض الحراري أكثر دقة، أصبحت التقديرات المتعلقة بالأضرار المحتملة أكثر قدرة على عكس الواقع المحلي.
لماذا تهم هذه النتيجة في عصر الاحترار؟
تزداد أهمية الدراسة مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر الشديدة في مناطق مختلفة من العالم.
فإذا كانت الدراسات التي تقيس آثار الحرارة تعتمد على بيانات لا تعكس بدقة الحرارة الفعلية التي يتعرض لها السكان، فقد تظهر بعض الأضرار المناخية في النماذج أقل من حجمها الحقيقي.
وهذا قد ينعكس على تقديرات الأضرار الاقتصادية، وتقييم مخاطر الصحة العامة، والتخطيط لشبكات الكهرباء، وإدارة الزراعة، وتصميم المدن للتعامل مع موجات الحر.
ولا تعني الدراسة أن جميع أبحاث آثار المناخ تقلل بالضرورة من حجم المخاطر، إذ يمكن لأخطاء القياس أن تؤدي نظريًا إلى المبالغة في التأثير أو التقليل منه بحسب طبيعة البيانات وطريقة التحليل.
لكن الرسالة الأساسية للباحثين واضحة: جودة قياس الحرارة ليست تفصيلًا تقنيًا هامشيًا، بل عنصر أساسي في تقدير حجم آثار تغير المناخ.
وخلصت الدراسة إلى أن تحسين بيانات درجات الحرارة على المستوى المحلي، خصوصًا في المناطق ذات التضاريس المعقدة أو شبكات الرصد المحدودة، يمكن أن يساعد على بناء تقديرات أكثر دقة للتأثيرات المناخية التي تواجهها المجتمعات والاقتصادات.
