أكد خبراء في الاقتصاد الدائري أن التحول من العبوات أحادية الاستخدام إلى العبوات القابلة لإعادة الاستخدام لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لحماية الشركات من الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسعار المواد الخام، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار البلاستيك عالميًا.
وفي مقال تحليلي نشرته Ethical Corporation التابعة لوكالة رويترز، أوضح كل من إيمي لاركين وتيزا مافيرا ، أن التوترات في مضيق هرمز أدت إلى اضطراب إمدادات المواد الخام البتروكيماوية المستخدمة في تصنيع البلاستيك، ما تسبب في ارتفاع أسعار البلاستيك بنحو 40% منذ فبراير 2026، مع إعلان عدد من كبار منتجي البتروكيماويات في آسيا حالة القوة القاهرة وتعليق الإنتاج.
40% من البلاستيك يذهب إلى التغليف
وأشار الكاتبان إلى أن نحو 40% من إجمالي البلاستيك المنتج عالميًا يُستخدم في تصنيع العبوات أحادية الاستخدام، ما يجعل اضطرابات الإمدادات سببًا مباشرًا في ارتفاع أسعار آلاف السلع الاستهلاكية.
ويريان أن الأزمة الحالية تكشف الحاجة إلى بناء اقتصاد دائري حقيقي يعتمد على إعادة استخدام المواد بدلاً من نموذج “الإنتاج ثم الاستخدام ثم التخلص”، بما يقلل الاعتماد على المواد الخام المستوردة والأسواق المتقلبة.
إعادة الاستخدام تعزز المرونة الاقتصادية
وشبّه الكاتبان أنظمة إعادة استخدام العبوات بالطاقة المتجددة، موضحين أن الدول التي استثمرت في مصادر الطاقة النظيفة أصبحت أكثر قدرة على مواجهة تقلبات أسواق النفط والغاز.
وأشارا إلى أن باكستان تمكنت بفضل التوسع في الطاقة الشمسية من تجنب واردات نفط وغاز بقيمة تقارب 12 مليار دولار، بينما اضطرت بنجلاديش، التي لا تتجاوز حصة الطاقة المتجددة فيها 2%، إلى تقنين الوقود وإغلاق جامعات خلال فترات نقص الإمدادات.
تشريعات أوروبية تواجه اعتراضات الشركات
ويأتي هذا النقاش قبل دخول اللائحة الأوروبية الخاصة بالتغليف ونفايات العبوات (PPWR) حيز التنفيذ، والتي تهدف إلى تعزيز إعادة الاستخدام وتقليل النفايات.
لكن 138 شركة طالبت المفوضية الأوروبية بتأجيل تنفيذ التشريعات أو تخفيفها، معتبرة أن التحول إلى أنظمة إعادة الاستخدام يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وتغييرات كبيرة في البنية التحتية، إلى جانب غياب الوضوح القانوني بشأن بعض بنود التنفيذ.
ويرد الكاتبان بأن الشركات تغفل الفوائد الاقتصادية بعيدة المدى، إذ إن العبوات القابلة لإعادة الاستخدام تتحول من عبء مالي إلى أصل يمكن الاستفادة منه مرارًا، كما تقلل التعرض للتعريفات الجمركية وتقلبات أسعار الشحن والمواد الخام.
نجاح تجارب إعادة الاستخدام
وأشار المقال إلى نجاح عدد من الأنظمة القائمة بالفعل، مثل نظام استرداد عبوات المشروبات في ألمانيا، ونظام عبوات المياه القابلة لإعادة الاستخدام سعة 19 لترًا في إندونيسيا، مؤكدًا أنها أثبتت قدرتها على تحقيق الاستدامة الاقتصادية.
كما بدأت شركات في أمريكا الشمالية تطبيق أنظمة إعادة الاستخدام في الملاعب والجامعات والمدارس، ووصلت هذه التجارب إلى فعاليات كبرى مثل نهائي السوبر بول.
وتشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن إعادة الاستخدام يمكن أن تحقق إيرادات متكررة، وتصبح أقل تكلفة من العبوات أحادية الاستخدام عند استخدامها مرات عديدة.
بنية تحتية ومعايير عالمية
وأكد الكاتبان، أن نجاح هذه الأنظمة يتطلب تطوير بنية تحتية متكاملة تشمل عمليات الجمع والغسل وإعادة التعبئة، إلى جانب وضع معايير موحدة تضمن الكفاءة والسلامة الصحية وإمكانية تتبع العبوات رقميًا.
وفي هذا الإطار، نجح تحالف PR3، المعني بتطوير أنظمة إعادة الاستخدام، في وضع ستة معايير دولية يجري اعتمادها في عشرات المدن والشركات حول العالم، كما بدأ استخدام رمز عالمي جديد يميز العبوات القابلة لإعادة الاستخدام في 10 دول.
إعادة التدوير وحدها لا تكفي
ويرى الكاتبان، أن معظم استثمارات شركات السلع الاستهلاكية لا تزال تركز على تحسين قابلية العبوات لإعادة التدوير، بدلًا من تقليل إنتاج النفايات من الأساس.
ووفقًا لبيانات مؤسسة إلين ماك آرثر، ارتفعت نسبة المواد المعاد تدويرها في العبوات بين عامي 2023 و2025، بينما بقيت نسبة العبوات القابلة لإعادة الاستخدام دون تغيير.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن أنظمة إعادة الاستخدام يمكنها تقليل تصنيع العبوات الجديدة بنسبة تصل إلى 90%، بينما لا تؤدي إعادة التدوير إلى الاستغناء عن تصنيع أي عبوة جديدة، معتبرًا أن التحول نحو إعادة الاستخدام يمثل خطوة أساسية لبناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات العالمية.
