أزمة الوصول إلى الطبيعة تضرب إنجلترا.. 44% من الدوائر تفتقر إلى مساحات خضراء قريبة

“الحق في الطبيعة” يتحول إلى قضية صحية في إنجلترا.. 238 دائرة تعاني نقص المساحات الخضراء

كشفت دراسة جديدة عن تفاوت حاد في وصول السكان إلى المساحات الطبيعية في إنجلترا، إذ تفتقر 238 دائرة انتخابية، تمثل 44% من إجمالي الدوائر الإنجليزية، إلى مستوى كافٍ من الوصول القريب إلى المساحات الخضراء أو الزرقاء، في وقت تتزايد فيه مخاطر موجات الحر والضغوط الصحية المرتبطة بتغير المناخ.

وتشير نتائج البحث، الذي أجرته مؤسسة Wildlife Trusts بالتعاون مع Liberal and Democrats for Nature and Climate (LDNC)، إلى أن 20% أو أكثر من العقارات السكنية في هذه الدوائر تقع على مسافة تتجاوز 15 دقيقة سيرًا على الأقدام من مساحة خضراء أو زرقاء.

وتشمل المساحات الزرقاء الأنهار والقنوات والبحيرات والبرك والسواحل وغيرها من المناطق المرتبطة بالمياه، بينما تضم المساحات الخضراء الحدائق والغابات وغيرها من المناطق الطبيعية المفتوحة.

الفقر يتقاطع مع الحرمان من الطبيعة

الفقر يتقاطع مع الحرمان من الطبيعة

أبرز ما تكشفه النتائج هو وجود علاقة واضحة بين الحرمان الاقتصادي والحرمان من الوصول إلى الطبيعة؛ إذ كانت 7 من أصل أكثر 10 دوائر تعاني من الحرمان الاقتصادي في إنجلترا ضمن المناطق التي سجلت مستويات منخفضة من الوصول إلى المساحات الطبيعية.

ويعني ذلك أن السكان الأكثر تعرضًا للضغوط الاقتصادية قد يعيشون أيضًا في مناطق تقل فيها فرص الوصول إلى الحدائق والأشجار والممرات المائية والمساحات الطبيعية القادرة على توفير الظل والتبريد والفرص لممارسة النشاط البدني.

وتكتسب هذه الفجوة أهمية إضافية مع ارتفاع درجات الحرارة، بعدما شهدت إنجلترا خلال الربيع والصيف موجات حر شديدة وصلت فيها درجات الحرارة في بعض المدن والبلدات إلى نحو 38 درجة مئوية.

وترى Wildlife Trusts أن الحدائق والغابات والمساحات الطبيعية القريبة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في توفير مناطق أكثر برودة خلال فترات الحر، خصوصًا في المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

الطبيعة كجزء من البنية التحتية الصحية

لم تعد المساحات الطبيعية تُناقش فقط باعتبارها عنصرًا جماليًا أو بيئيًا داخل المدن، وفق الطرح الذي قدمته المؤسسة، بل باعتبارها جزءًا من البنية التحتية التي ترتبط بالصحة العامة والقدرة على مواجهة آثار تغير المناخ.

وتستند المؤسسة إلى مجموعة متنامية من الأبحاث التي تربط التعرض للطبيعة بمؤشرات صحية مختلفة، إلى جانب نتائج مشاورات عامة شارك فيها نحو 5 آلاف شخص، وصف خلالها مشاركون اعتمادهم على المساحات الطبيعية القريبة خلال موجات الحر.

وتقول Wildlife Trusts إن المناطق الطبيعية داخل المدن يمكن أن تساعد على خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء وتقليل الضغط على القلب والرئتين، كما تشير إلى أبحاث تربط السكن بالقرب من الحدائق أو المساحات الطبيعية بمؤشرات صحية أفضل لدى بعض الفئات.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الأكثر تأثرًا بالحرارة، بمن فيهم كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون من صعوبات في الحركة أو ظروف صحية تجعل موجات الحر أكثر خطورة.

15 دقيقة للوصول إلى الطبيعة

15 دقيقة للوصول إلى الطبيعة

تأتي النتائج في ظل هدف حكومي بريطاني يقضي بتحسين وصول السكان إلى الطبيعة، بما يتيح للجميع الوصول إلى مساحة خضراء أو زرقاء خلال 15 دقيقة سيرًا على الأقدام.

لكن Wildlife Trusts تقول إن الحكومة لم تنشر حتى الآن الورقة الخضراء التي كان من المنتظر أن تضع إطارًا عمليًا لزيادة الوصول إلى الطبيعة.

وكانت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية قد عقدت خلال ربيع العام الماضي ورش عمل مع خبراء للمساعدة في إعداد مقترحات بهذا الشأن، مع توقع نشر الورقة الخضراء في وقت لاحق، إلا أن مرور عام إضافي دون نشرها دفع المؤسسة إلى المطالبة بتسريع الإجراءات.

وترى المؤسسة أن الوصول إلى الطبيعة ينبغي ألا يُعامل باعتباره رفاهية أو إضافة اختيارية للتخطيط الحضري، بل كجزء من الاحتياجات الأساسية للسكان في ظل تصاعد مخاطر الحرارة الشديدة وتدهور التنوع البيولوجي.

الوصول إلى الطبيعة ينبغي ألا يُعامل باعتباره رفاهية أو إضافة اختيارية للتخطيط الحضري

5 مطالب لتقليص فجوة الوصول إلى الطبيعة

قدمت Wildlife Trusts مجموعة من المقترحات إلى الحكومة البريطانية لتسريع تحسين الوصول إلى المساحات الطبيعية، من بينها:

  • خفض تكلفة استخدام سلطات الشراء الإجباري أمام السلطات المحلية لشراء الأراضي اللازمة لإتاحة مساحات طبيعية للسكان.
  • إنشاء حق مجتمعي في شراء الأراضي بهدف توفير فرص أكبر للوصول إلى الطبيعة.
  • اعتبار الطبيعة بنية تحتية أساسية وإتاحة التمويل الرأسمالي اللازم، إلى جانب تمويل صيانة المساحات الطبيعية على المدى الطويل.
  • إلزام المطورين العقاريين بإنشاء أحياء سكنية تراعي المناخ والطبيعة ضمن تصميماتها.
  • تحويل الوصول إلى الأنهار الرئيسية، خصوصًا داخل المناطق الحضرية، إلى حق قانوني.

ويعكس المقترح الأخير تحولًا في النظرة إلى الأنهار من مجرد موارد مائية أو عناصر جغرافية إلى مساحات عامة يمكن أن تؤدي دورًا في الصحة والراحة والتكيف مع الحرارة.

الحكومة: توسيع الوصول إلى الطبيعة

من جانبها، قالت الحكومة البريطانية إنها تعمل على زيادة وصول السكان إلى الطبيعة والريف، مشيرة إلى تنفيذ 9 مسارات نهرية وطنية جديدة، إلى جانب مسار Coast-to-Coast في شمال إنجلترا، ومسار ساحلي يمتد لنحو 2700 ميل ويحمل اسم King Charles III England Coast Path.

لكن هذه الإجراءات لا تجيب بالكامل عن الفجوة التي تكشفها الدراسة، لأن القضية لا تتعلق فقط بوجود مسارات طبيعية وطنية أو وجهات سياحية كبرى، وإنما بمدى قدرة السكان على الوصول إلى مساحات طبيعية قريبة من منازلهم وفي حياتهم اليومية.

وهنا تبرز أهمية المسافة التي حددتها الدراسة بـ15 دقيقة سيرًا على الأقدام؛ فالمساحة الطبيعية التي تقع على مسافة قصيرة من المنزل يمكن أن تكون أكثر استخدامًا خلال موجات الحر وفي الحياة اليومية من وجهة طبيعية بعيدة تحتاج إلى سيارة أو رحلة طويلة.

من التلوث الفيكتوري إلى أزمة المناخ

وصفت Wildlife Trusts أزمة الوصول إلى الطبيعة بأنها تذكّر، من حيث الحاجة إلى التحرك العام، بأوضاع بريطانيا خلال العصر الفيكتوري، عندما أدى تلوث الهواء والمياه إلى توسع برامج إنشاء الحدائق العامة.

لكن الأزمة الحالية تختلف في طبيعتها؛ فإلى جانب جودة البيئة والصحة العامة، أصبحت القدرة على الوصول إلى المساحات الطبيعية جزءًا من الاستجابة لتغير المناخ والتكيف مع موجات الحر.

وبالتالي، فإن توزيع الحدائق والأشجار والمساحات المفتوحة والممرات المائية داخل المدن لم يعد قضية تخطيط حضري فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالعدالة المناخية والصحة العامة وقدرة المجتمعات على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

وتكشف أرقام الدوائر الـ238 أن التحدي لا يتمثل فقط في زيادة المساحات الخضراء على المستوى الوطني، وإنما في ضمان توزيعها بصورة أكثر عدالة بحيث لا يصبح القرب من الطبيعة امتيازًا جغرافيًا أو اقتصاديًا.

وفي ظل استمرار ارتفاع مخاطر الحرارة الشديدة، قد تتحول المساحات الخضراء والزرقاء القريبة من السكان إلى أحد مكونات البنية الأساسية للتكيف المناخي، إلى جانب شبكات المياه والطاقة والنقل والخدمات الصحية.