سد النهضة يحجز 95% من طمي النيل الأزرق.. آثار بيئية مقلقة
السد الإثيوبي يطيل عمر سد الروصيرص إلى 10 آلاف سنة.. لكنه يهدد خصوبة التربة والإنتاج الزراعي
بعد الافتتاح الرسمي لسد النهضة، والتشغيل الفعلي للسد كشفت دراسات علمية أن السد الإثيوبي سيحتجز نحو 95% من طمي النيل الأزرق، ما يعني خسارته نحو 189 مليون متر مكعب سنويًا من سعته التخزينية نتيجة تراكم الرواسب.
أجرى فريق بحثي من معهد دلفت للتعليم المائي الدولي في هولندا دراسة حديثة ركزت على جانب مهم يتعلق باحتجاز الطمي.
الدراسة، التي نُشرت في دورية جورنال أوف هايدرولوجي: ريجنل ستاديز، جاءت في الأصل ثمرة رسالة ماجستير للباحثة غفران أحمد، وهدفت –بحسب الباحث المشارك أمجد عمر– إلى تقدير كفاءة سد النهضة في حجز الطمي على المدى الطويل، وحساب الفاقد السنوي من سعته التخزينية، وتقييم أثره على معدلات الترسيب في سد الروصيرص السوداني، وفق قواعد تشغيل واقعية لكلا السدين.
وأظهرت النتائج رسائل إيجابية للسودان من جانب، وأثارت بعض القلق من جانب آخر، بينما قد تكون أكثر إثارة للجدل بالنسبة لإثيوبيا.
احتجاز الرواسب
تشير الدراسة إلى أن سد النهضة سيحتجز نحو 95% من طمي النيل الأزرق، ما يعني خسارته نحو 189 مليون متر مكعب سنويًا من سعته التخزينية نتيجة تراكم الرواسب.
وفي المقابل، سيؤدي ذلك إلى تقليل كبير في كمية الطمي الواصلة إلى السدود السودانية، خاصة سد الروصيرص، الذي كان يفقد 0.26% من سعته سنويًا قبل تشغيل سد النهضة، ومن المتوقع أن تنخفض هذه النسبة إلى 0.01% فقط بعد تشغيل السد بالكامل.
ويقول أليساندرو كاتابان، المتخصص في هندسة الأنهار بمعهد دلفت والباحث المشارك في الدراسة، إن محطات القياس التاريخية على النيل الأزرق داخل السودان (الديم، فامكا، وود العلايس) راقبت تدفق المياه وترسيب الطمي لعقود، لكنها لم تتمكن من تحديد الكميات التي ستتغير مع بناء سد النهضة.

منهجية علمية ونماذج ذكية
وللتغلب على نقص البيانات، جمع الباحثون معلومات من محطات القياس خلال مواسم الفيضان، واستخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقدير القيم المفقودة.
كما استعانوا بنماذج محاكاة ثلاثية الأبعاد لحركة المياه داخل خزان السد، وقارنوا النتائج مع مسوحات حقيقية لقاع سد الروصيرص لتأكيد دقة الحسابات.
الطاقة مقابل البيئة
أظهرت النتائج أن وجود سد النهضة يقلل ترسيب الرواسب داخل خزان الروصيرص بمقدار 26 مرة، ما قد يغني عن الحاجة إلى تصريف الرواسب، وبالتالي الحفاظ على مستوى الخزان مرتفعًا وزيادة إنتاج الطاقة الكهرومائية.
كما يطيل عمر سد الروصيرص الافتراضي من نحو 384 سنة إلى ما يقارب 10 آلاف سنة، شريطة وجود تبادل روتيني للبيانات بين السدين.
لكن الدراسة أشارت أيضًا إلى أن حجز الطمي سيؤدي إلى انخفاض كبير في الرواسب المتدفقة إلى النيل أسفل سد الروصيرص، من 7154 مليون متر مكعب قبل بناء السد إلى 691 مليون متر مكعب بعد تشغيله، ما سيحرم الأراضي الزراعية من “السماد الطبيعي” الذي اعتادت الحصول عليه عبر الفيضانات، وهو ما قد يؤثر على خصوبة التربة والإنتاج الزراعي.
ويؤكد الباحثون أن التأثيرات البيئية والكمية على المحاصيل تحتاج إلى دراسات ميدانية إضافية، مع ضرورة إجراء تقييمات ورصد دوري للنظام البيئي النهري بعد بدء تشغيل السد.
وفي ختام الدراسة، شدد كاتابان على أن النتائج اعتمدت على بيانات تاريخية وافتراضات تشغيلية، وقد تختلف الترسيبات الفعلية بسبب التغيرات الطبيعية أو قرارات التشغيل، مما يجعل المراقبة المستمرة أمرًا حيويًا لتقييم التأثيرات الحقيقية.





