مفاجأة علمية.. بعض الأنهار تمتص الكربون بدلًا من إطلاقه.. الأنهار الجافة تغير المعادلة

الذكاء الاصطناعي يرسم خريطة جديدة لدور الأنهار في دورة الكربون العالمية

لطالما اعتقد العلماء أن الأنهار تُطلق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو أحد الغازات الدفيئة الرئيسية المسببة للاحتباس الحراري. فحتى الأنهار التي تبدو نقية ومتدفقة كانت تُشبه “المداخن”، تُخرج الكربون أكثر مما تمتصه. غير أن دراسة أمريكية حديثة قلبت هذه الفكرة رأسًا على عقب.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Science.

مفاجأة في أنهار الغرب الأمريكي

أظهرت الأبحاث الجديدة، التي شملت جميع شبكات الأنهار في الولايات المتحدة القارية، أن العديد من أنهار الغرب، ولا سيما الواقعة في المناطق الجافة، تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو بدلًا من إطلاقه.
هذا الاكتشاف يُعيد رسم فهمنا لحركة الكربون على كوكب الأرض، ويؤثر في حسابات ميزانيات الكربون وإدارة الانبعاثات مستقبلًا.

اختلاف البيئات واختلاف السلوك

حتى وقت قريب، كانت معظم البيانات العلمية عن الأنهار مأخوذة من مناطق شمال شرقي الولايات المتحدة، حيث الغابات الكثيفة والأنهار المظللة بالأشجار.
هناك، يؤدي تراكم المواد العضوية مثل الأوراق المتساقطة إلى زيادة التنفس الحيوي وإطلاق الكربون، بينما تقل معدلات التمثيل الضوئي، ما يجعل هذه الأنهار مصادر للكربون.
لكن الأنهار الغربية مختلفة تمامًا، إذ تمتد في بيئات مفتوحة تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، وتقل فيها المواد العضوية الداخلة إلى المياه.
وتوفر هذه الظروف فرصة للتمثيل الضوئي كي يتفوق على التنفس، فيتحول النهر من مصدر للكربون إلى «مصب» له.

استخدام الذكاء الاصطناعي

قاد البحث عالمة الكيمياء الحيوية تايلور مافارا من معهد كاري لدراسات النظم البيئية، حيث استعان الفريق ببيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ونماذج تعلم آلي متطورة لملء الفجوات في البيانات.
استخدموا معلومات عن الضوء ودرجة الحرارة والمواد العضوية وسرعة تدفق المياه للتنبؤ بكمية الكربون التي يمتصها أو يطلقها كل مقطع نهري.
ثم جرى تعميم النتائج على جميع شبكات الأنهار في الولايات المتحدة، لتظهر صورة جديدة: نحو 25% من الأنهار الغربية تمتص كربونًا أكثر مما تطلقه، مقابل 11% فقط في الشرق.
ورغم أن الأنهار عمومًا ما تزال تُصدر كربونًا أكثر مما تمتص، فإن الفارق أصبح أقل مما كان يُعتقد، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في دور النظم المائية الجافة حول العالم، إذ تمثل المناطق الجافة وشبه الجافة نحو 65% من سطح الأرض.

المناخ يغير المعادلة

تشير الدراسة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الجفاف قد يمنح الأنهار الغربية قدرة مؤقتة على امتصاص الكربون، إذ تسمح المياه البطيئة الحركة بدخول الضوء إلى أعماق أكبر، مما يُعزز التمثيل الضوئي. لكن إذا جفّت الأنهار تمامًا، فإنها قد تتحول مجددًا إلى مصادر للكربون.
وأكدت مافارا أن هذا البحث يمثل خطوة مهمة لفهم أحد أكثر الجوانب غموضًا في دورة الكربون العالمية، ويساعد على تحسين استراتيجيات إدارة الانبعاثات ومكافحة تغير المناخ.

نحو فهم أعمق لدور الأنهار

تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف البعد الأكاديمي، إذ يسهم في سد فجوة معرفية أساسية حول كيفية تحرك الكربون في البيئة، وربما تصبح الأنهار، خاصة في المناطق الجافة، عنصرًا فاعلًا في خطط إدارة الكربون مستقبلاً.

Exit mobile version