لقد وصل الخريف أخيرًا بعد 3 أشهر من الحرارة القياسية عالميا على غير العادة، تصبح الأيام أقصر، وتبرد درجة الحرارة، ويتغير لون الأوراق.
تأخر بداية الخريف في عام 2023 ليس حدثًا لمرة واحدة، إنه في الواقع جزء من اتجاه أوسع يحدث فيه التحول من الصيف إلى الشتاء في وقت لاحق من العام.
يشير بحث خاص أجراه جادو داش، أستاذ الاستشعار عن بعد في الجغرافيا وعلوم البيئة، بجامعة ساوثامتون، على مدار 13 عام إلى تغير المناخ باعتباره السبب المحتمل.
أحد أبرز آثار تغير المناخ هو تغير أنماط موسمية الغطاء النباتي من حولنا، يتضمن ذلك توقيت الأحداث البيولوجية المهمة مثل انفجار البراعم وظهور الأوراق الأولى والإزهار وسقوط الأوراق.
بشكل عام، يشير ظهور الورقة الأولى إلى قدوم الربيع، بينما يشير سقوط الورقة إلى بداية فصل الخريف، ويتغير توقيت هذه الأحداث، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، حيث يبدو أن الربيع يبدأ مبكرا ويتأخر حلول الخريف.
تقليديًا، كان رصد موسمية النباتات يتطلب توثيقًا دقيقًا لهذه الأحداث الموسمية عامًا بعد عام.
أصبحت بيانات الأقمار الصناعية أداة أساسية لتتبع التغيرات في موسمية الغطاء النباتي، يمكن استخدام هذه البيانات لتقدير قوة الغطاء النباتي (مؤشر على حالة الغطاء النباتي وقوته وكثافته)، ويمكن بعد ذلك استخدام التغييرات لتحديد بداية ونهاية كل موسم نمو.
مواسم نمو أطول
والآن أصبح لدى الباحثين في مجال المناخ ما يقرب من خمسة عقود من عمليات الرصد عبر الأقمار الصناعية تحت تصرفهم، يكشف تحليل هذه البيانات أن فصل الربيع قد تقدم بحوالي 15 يومًا، بينما تأخر فصل الخريف بمقدار مماثل، وكانت النتيجة الإجمالية هي تمديد موسم النمو لمدة شهر كامل على مدى العقود الثلاثة الماضية.
ويكون التحول في توقيت الفصول واضحًا بشكل خاص عند خطوط العرض العليا، وقد أظهرت النباتات الواقعة على بعد أكثر من 55 درجة شمال خط الاستواء، كما هو الحال في غابات الصنوبر في شمال روسيا، اتجاهاً نحو موسم نمو ممتد، يزيد بما يصل إلى يوم واحد في السنة.
موسم النمو الأطول ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، ويعني ذلك فترة أطول من عملية التمثيل الضوئي، والتي من الناحية النظرية يمكن أن تعزز امتصاص الكربون الصافي – على الرغم من عدم وجود دليل ملموس على ذلك حتى الآن.
لكن بداية موسم النمو في وقت مبكر تعرض النباتات لخطر الضرر الناجم عن الصقيع الربيعي وزيادة التعرض للجفاف في الصيف.
وجدت الأبحاث أن أوائل الربيع في وسط وشمال أوروبا في عام 2018 عزز زيادة نمو الغطاء النباتي، وهذا بدوره ساهم في فقدان التربة رطوبتها بسرعة، مما أدى إلى تفاقم ظروف الجفاف في الصيف.
دور تغير المناخ
تعد درجة الحرارة أحد العوامل الأساسية التي تؤثر على نمو الغطاء النباتي عند خطوط العرض الشمالية العليا، لذا، فإن بداية الربيع المبكرة ووصول الخريف المتأخر ربما يكونان مدفوعين بارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية، منذ عام 1981، ارتفع متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار 0.18 درجة مئوية كل عقد .
تأثير درجة الحرارة على مدة موسم النمو
ومع ذلك، فإن تأثير درجة الحرارة على مدة موسم النمو قد يتغير تبعا لنوع الغطاء النباتي.
وفي النظم البيئية التي تهيمن عليها الغابات في المقام الأول، يمكن أن يؤدي المناخ الأكثر دفئا إلى مزيد من التمثيل الضوئي وزيادة إنتاجية الغطاء النباتي.
ومن ناحية أخرى، في المناخ الأكثر دفئا، يتبخر المزيد من الماء من سطح الأرض، مما يؤدي إلى جفاف التربة، وهذا يمكن أن يؤثر سلبا على نمو النباتات ذات الجذور الضحلة، مثل الأعشاب والنباتات العشبية.
زيادة وتيرة حالات الجفاف
ومن النتائج الأخرى لتغير المناخ زيادة وتيرة حالات الجفاف خلال ذروة موسم النمو.
تؤدي ظروف الجفاف إلى إجهاد مائي شديد للنباتات، مما يؤدي إلى تساقط الأوراق قبل الأوان أو تغير لونها، وهي ظاهرة يشار إليها غالبًا باسم “الخريف الكاذب”.
كما أن موسم النمو الأطول والأكثر جفافًا يمكن أن يزيد أيضًا من خطر حرائق الغابات.
كشفت دراسة أمريكية أجريت عام 2006 عن زيادة كبيرة في نشاط حرائق الغابات داخل غابات جبال روكي الشمالية منذ منتصف الثمانينيات. ويرتبط هذا التغيير ارتباطًا وثيقًا بارتفاع درجات الحرارة في فصلي الربيع والصيف وذوبان الثلوج في فصل الربيع في وقت مبكر.
لتغير المناخ تأثير واضح على نمو الغطاء النباتي والموسمية، لكن مدى وشدة تأثيرها يختلف باختلاف نوع النبات ومكان نموه.
يعد توفر بيانات الأقمار الصناعية التي تغطي الخمسين عامًا الماضية موردًا قيمًا لالتقاط التغييرات في مدة موسم نمو الغطاء النباتي.
تساعد هذه البيانات العلماء على تحديد حجم هذه التغييرات وعواقبها، مما يوفر نظرة ثاقبة حول كيفية استجابة النباتات لمناخنا الدافئ.
