كيف تبدأ الأوبئة؟ بحث جديد يعيد كتابة قصة انتقال الفيروسات إلى الإنسان

هل تنتقل الأوبئة صدفة؟ دراسة تكشف الدور الحاسم للاحتكاك بالحيوانات

كشفت دراسة علمية حديثة، أن معظم الفيروسات التي تسببت في أوبئة بشرية انتقلت إلى الإنسان دون أي استعداد أو تكيف تطوري يمكن رصده مسبقًا.

ويمثل هذا الاكتشاف تحديًا لأحد المفاهيم الأساسية في علم الأوبئة، والذي يفترض أن الفيروسات تحتاج إلى فترة من التكيف قبل أن تصبح قادرة على الانتشار بين البشر.

الأوبئة

الفيروسات قبل الانتقال إلى البشر

حلل الباحثون الجينومات الخاصة بعدة فيروسات، منها إيبولا، وجدري القرود (mpox)، وماربورغ، والإنفلونزا، والفيروس المسبب لكوفيد-19، ولاحظوا نمطًا متكررًا قبل انتقالها إلى الإنسان.

وأظهرت النتائج، التي قادها الباحث جويل أو، ويرتهايم من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، أن الضغط التطوري على هذه الفيروسات لم يزد بشكل ملحوظ قبل بدء تفشيها.

حتى المرحلة التي سبقت مباشرة انتقال الفيروس إلى البشر لم تُظهر التغيرات الجينية الكبيرة التي كان يتوقعها العلماء.

الأوبئة

كيف يُقاس الضغط التطوري؟

يعتمد العلماء على مفهوم “الانتقاء الطبيعي”، حيث يتم الاحتفاظ بالطفرات المفيدة والتخلص من الضارة، وهو ما يترك بصمات واضحة في الجينوم.

وعادة ما تفرض “العوائل الحيوانية” التي تعيش فيها الفيروسات ضغوطًا تطورية مستقرة، لكن هذه الضغوط تتغير عند انتقال الفيروس إلى بيئة جديدة.

نتائج متسقة عبر فيروسات متعددة

شملت الدراسة فيروسات مثل سارس، وإنفلونزا H1N1 عام 2009، إضافة إلى كوفيد-19، ولم تُظهر أي منها إشارات واضحة على تكيف استثنائي قبل انتقالها إلى البشر.

وتعزز هذه النتائج فكرة أن فرضية “التكيف المسبق” قد لا تكون قاعدة عامة كما كان يُعتقد.

الأوبئة

التكيف يحدث بعد الانتشار

بمجرد أن يبدأ الفيروس في الانتشار بين البشر، تظهر تغيرات تطورية سريعة، ويرجع ذلك إلى تعرض الفيروس لضغوط جديدة، مثل جهاز المناعة البشري، وأنماط انتقال مختلفة، وبيئات خلوية جديدة.

وقد لوحظت هذه التغيرات في فيروسات مثل إيبولا وإنفلونزا 2009 خلال أشهر قليلة من انتشارها بين البشر.

إشارات من فيروس سارس

أظهرت دراسات سابقة، أن فيروس سارس انتقل عبر حيوانات وسيطة مثل قطط الزباد (الزباد النخيلية)، حيث حدثت بعض التغيرات هناك قبل انتقاله إلى البشر.

لكن التحليل الجديد يشير إلى أن هذه التغيرات لم تحدث على مدى طويل قبل وصول الفيروس إلى الإنسان، بل كانت محدودة.

ماذا عن أصل كوفيد-19؟

أشارت الدراسة إلى عدم وجود دليل جيني على أن فيروس SARS-CoV-2 خضع لتكيف طويل قبل ظهوره بين البشر.

وأكد الباحث ويرتهايم: “من منظور تطوري، لا نجد دليلًا على أن الفيروس تشكّل نتيجة انتقاء داخل مختبر أو تطور طويل في عائل وسيط قبل ظهوره”.

الأوبئة

استثناءات نادرة

رصد الباحثون حالة غير معتادة لفيروس إنفلونزا ظهر عام 1977، حيث بدا قريبًا جدًا من سلالات قديمة، ما يشير إلى احتمال ارتباطه بظروف غير طبيعية مثل التعامل المخبري.

كما دعمت اختبارات إضافية دقة المنهج المستخدم، إذ تمكن من رصد التغيرات المرتبطة بالفيروسات التي خضعت لظروف مخبرية.

فيروس إنفلونزا ظهر عام 1977

ما الذي لا تكشفه الجينات؟

رغم قوة التحليل الجيني، إلا أنه لا يستطيع كشف كل التفاصيل، خاصة إذا كانت التغيرات قصيرة الأمد أو حدثت عبر تبادل جيني مع فيروسات أخرى، كما أن بعض الطفرات قد تكون محدودة جدًا بحيث لا تترك أثرًا واضحًا في التحليل.

إعادة التفكير في مخاطر الأوبئة

تشير النتائج إلى أن ظهور الأوبئة قد يكون مرتبطًا بزيادة فرص الاحتكاك بين البشر والحيوانات، وليس فقط بقدرة الفيروس على التكيف.

وهذا يسلط الضوء على أهمية مراقبة الفيروسات في الحيوانات، وتقليل التفاعل غير الآمن مع الحياة البرية، وتعزيز أنظمة الرصد المبكر.

مستقبل الوقاية من الأوبئة

تقدم هذه الدراسة رؤية جديدة لفهم كيفية نشوء الأوبئة، حيث يصبح التركيز على تقليل فرص الانتقال الأولي بدلًا من انتظار تطور الفيروس.

وفي ظل تزايد الضغوط البيئية والتغيرات المناخية، يصبح هذا النهج أكثر أهمية لحماية الصحة العالمية.

Exit mobile version