صدمة علمية.. نفوق ثلثي شعاب نينجالو المدرجة بالتراث العالمي بعد موجة حر بحرية غير مسبوقة

أكثر من 80% من الشعاب المرجانية في أكثر من 80 دولة تعرضت لدرجات حرارة قياسية

كشف العلماء عن كارثة بيئية غير مسبوقة داخل محمية نينجالو البحرية المدرجة على قائمة التراث العالمي، بعد أن تبيّن أن نحو ثلثي الشعاب المرجانية في المناطق السياحية الأكثر جذبًا قد مات نتيجة موجة حر بحرية شديدة ضربت الساحل الغربي لأستراليا خلال الصيف والخريف الماضيين.

وتمثل هذه الخسارة صدمة كبرى للمجتمع العلمي، إذ تشكّل شعاب نينجالو أحد أهم النظم البيئية الأكثر غنى وتنوعًا في نصف الكرة الجنوبي.

موجة حر غير مسبوقة

بدأت الأزمة حينما ارتفعت درجات حرارة المياه بشكل استثنائي وغير متوقع، ما أدى إلى انتشار الابيضاض على نطاق واسع، من نينجالو وصولًا إلى شعاب آشيمور الواقعة على بعد 1500 كيلومتر شمال شرق المنطقة.

هذا الابيضاض هو عملية استجابة فسيولوجية خطيرة، حيث تفقد الشعاب الطحالب التكافلية التي تزوّدها باللون والغذاء والطاقة.

وبفقدان هذه الطحالب، تتعرى الشعاب، ويظهر الهيكل الكلسي الأبيض، وهو آخر مرحلة قبل الموت إذا لم تنخفض الحرارة سريعًا.

ووفقًا للبيانات المناخية المعتمدة، فإن أكثر من 90% من الحرارة الزائدة التي نتجت عن الأنشطة البشرية، خاصة حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، قد امتصتها المحيطات.

وهذا يجعل البحار خط المواجهة الأول لآثار الاحترار العالمي، ويزيد من تكرار موجات الحر البحرية التي أصبحت أطول وأشد وأكثر انتشارًا خلال العقد الأخير.

شهادة ميدانية صادمة

في مارس الماضي، أجرت الباحثة المتخصصة في الشعاب المرجانية زوي ريتشاردز من جامعة كيرتن مسحًا دقيقًا لـ1600 قطعة مرجانية على امتداد 40 كيلومترًا.

ووصفت المشهد حينها بأنه «مروّع»، إذ كانت الشعاب المتوهجة عادة بالألوان الزاهية قد تحولت إلى مساحات شاحبة تمتد بلا نهاية.

وأكّد علماء آخرون زاروا المواقع خلال الحدث أن الحرارة كانت «خانقة» وأن الشعاب بدت كما لو أنها تكافح لحظة بلحظة للبقاء.

وعندما عادت ريتشاردز إلى المنطقة في أكتوبر برفقة الباحث ديفيد يوسكفيتش من مختبر مينديرو إكسماوث، اكتشفت أن نحو ألف قطعة من تلك التي سُجلت سابقًا قد ماتت.

فقد كانت الآمال معلّقة على أن بعض الشعاب التي بدا أنها تعرضت لابيضاض جزئي قد تتعافى، لكن النتائج أثبتت العكس: الشعاب التي تضررت في مارس انتهى بها الأمر إلى الموت الكامل خلال الأشهر التالية.

«انقراض بيئي» للشعاب المرجانية

«صمت مميت» بدلًا من النظام الحيّ

شملت المناطق التي جرى مسحها أجزاء واسعة من البحيرة الشمالية بين منطقتي أوسبري وتانتابيدي، وهي مناطق معروفة بصفاء المياه وتنوع الشعاب التي يمكن رؤيتها مباشرة من الشاطئ.

وأوضحت ريتشاردز أن المشهد تحت الماء كان مختلفًا تمامًا عما اعتادت عليه سنوات طويلة من العمل الميداني.

فبدلًا من «فرقعة» الأسماك و«نقر» القشريات و«خبط» القواقع، كانت المياه «صامتة بشكل مريب»، وهو مؤشر قوي على انهيار بنية النظام البيئي بأكمله.

ولم تُظهر سوى كائنات قليلة — مثل خيار البحر — بعض النشاط، وهو ما يعكس طبيعتها ككائنات تتغذى على المواد العضوية المتحللة، أي أنها تزدهر في البيئات المتدهورة.

تفقد تبييض المرجان في محمية تانتابيدي

فقدان شديد للتنوع وتبسيط خطير للبيئة

رغم أن شعاب خليج إكسماوث المجاورة أظهرت مستويات أعلى من الصمود، فإن شمال نينجالو واجه «تبسيطًا بيئيًا عميقًا»، وهو مصطلح يشير إلى انخفاض واضح في تنوع الكائنات وتعقيد الموائل.

فقد كانت هذه الشعاب تُعد موطنًا لمئات الأنواع من الأسماك والرخويات والقشريات التي تعتمد على الشعاب كغطاء وغذاء ومأوى.

ومع انتشار الموت في الشعاب، فإن هذه الأنواع تواجه خطر انخفاض أعدادها بشكل حاد أو اختفائها من المنطقة بالكامل.

وتصف ريتشاردز ما حدث بأنه «انقراض بيئي» للشعاب؛ أي أن الشعاب لم تعد تؤدي الوظائف البيئية الأساسية التي كانت تنهض بها.

وتضيف أن هناك تساؤلات مثيرة للقلق حول الانقراضات المصاحبة التي قد تكون حدثت في الأنواع المرتبطة بالشعاب، والتي لا تتوفر عنها بيانات كافية حتى الآن.

«انقراض بيئي» للشعاب المرجانية

جزء من كارثة عالمية أوسع

تأتي هذه الخسائر ضمن رابع موجة ابيضاض عالمية كبرى — والأسوأ حتى الآن — حيث تعرّضت أكثر من 80% من الشعاب المرجانية في أكثر من 80 دولة لدرجات حرارة غير مسبوقة.

ويعتقد بعض العلماء أن الشعاب المرجانية قد تكون قد وصلت بالفعل إلى «نقطة تحول» يصعب بعدها العودة إلى مستويات الصحة والازدهار السابقة، ما لم يحدث انخفاض جذري في انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا.

وتوضح ريتشاردز أن الشعاب «تعمل كميزان حرارة للمحيط»، قائلة: «هي لا تتكلم، لكنها تبعث برسالة واضحة: الحرارة بلغت مستوى خطرًا».

وتضيف بتأثر شديد: «كرّست حياتي كلها للشعاب. وأخشى أننا نسير نحو مستقبل تكون فيه كل ما تبقى من الشعاب مجرد ذكريات وصور لا أكثر».

Exit mobile version