14 صنفًا من التوت تنجح في جنين.. تجربة فلسطينية تفتح آفاقًا لزراعة فاكهة مرتفعة القيمة
من البلاكبيري إلى البلوبيري.. هل تصبح فلسطين موطنًا جديدًا لزراعة التوت؟ ارتفاع الحرارة التحدي الأكبر
من البلاكبيري والراسبيري إلى البلوبيري.. «عليق فلسطين» تختبر أصنافًا متعددة وتكشف فرصًا وتحديات زراعة التوت في المناخ الدافئ
في تجربة زراعية تحمل مؤشرات واعدة لتنويع المحاصيل في فلسطين، نجحت مبادرة «عليق فلسطين» في اختبار 14 صنفًا ونوعًا من التوت، شملت البلاكبيري والراسبيري الأحمر والأصفر والبلاك راسبيري واللوجانبيري والواينبيري والبلوبيري، وذلك في أجواء مدينة جنين، شمال الضفة الغربية.
وتكتسب التجربة أهميتها من أنها لا تقتصر على زراعة أصناف غير تقليدية، بل تسعى إلى تقييم قدرتها على التأقلم مع الظروف المناخية المحلية، ومراقبة نمو النباتات ومواعيد الإثمار وكمية الإنتاج وجودة الثمار ومذاقها، بما يساعد على تحديد الأصناف الأكثر ملاءمة للبيئة الزراعية الفلسطينية.
وبحسب نتائج التجربة التي نشرتها «عليق فلسطين»، أظهرت مجموعة من الأصناف أداءً جيدًا، من بينها تريبل كراون وكاراكا بلاك وأراباهو في البلاكبيري، وجوان جي وبولكا وفال جولد في الراسبيري، إلى جانب بلاك جويل ولوجانبيري وواينبيري، وثلاثة أصناف من البلوبيري هي بيلوكسي وليجاسي وصن شاين بلو.
وتشير هذه النتائج الأولية إلى إمكانية توسيع نطاق تجارب زراعة التوت في المناطق التي تتوافر فيها ظروف مناسبة، لكنها لا تعني أن جميع الأصناف يمكن أن تحقق النتائج نفسها في مختلف المناطق، أو أن نجاحها الزراعي الأولي يثبت جدواها الاقتصادية والتجارية.
14 صنفًا تكشف تنوعًا في المحاصيل والصفات
تضم التجربة أربعة أصناف من البلاكبيري، من أبرزها «تريبل كراون»، الذي وصفته المبادرة بأنه من الأصناف المفضلة لديها، بفضل إنتاجه الغزير ونكهة ثماره التي تجمع بين الحلاوة والحموضة.
كما شمل الاختبار صنف «برايم آرك فريدوم»، المعروف بثماره الكبيرة وقدرته على الإثمار على قصبات السنة الأولى، لكنه أظهر تأثرًا خلال أشد فترات الصيف حرارة، وهو ما يسلط الضوء على أهمية تقييم تحمل الأصناف للإجهاد الحراري قبل التوسع في زراعتها.
أما «كاراكا بلاك» فيتميز بثماره الطويلة والأسطوانية، في حين ينتمي «أراباهو» إلى الأصناف المبكرة القائمة النمو وعديمة الأشواك، وتتميز ثماره بحجم أصغر نسبيًا.
وفي مجموعة الراسبيري الأحمر والأصفر، اختبرت المبادرة أصناف «جوان جي» و«بولكا» و«تولا ماجيك» و«فال جولد». وأظهرت التجربة أداءً جيدًا لصنف جوان جي في بداية الموسم، بينما تميز بولكا بالنكهة القوية والمركزة، وأظهر تولا ماجيك نموًا خضريًا نشطًا مع إثمار صيفي وآخر خريفي أقل كثافة، في حين قدم فال جولد ثمارًا ذهبية اللون ومذاقًا لطيفًا.
وشملت التجربة أيضًا البلاك راسبيري «بلاك جويل»، الذي يتميز بثماره السوداء المخملية والجوفاء ونكهته العميقة، إلى جانب اللوجانبيري، وهو هجين بين البلاكبيري والراسبيري، والواينبيري ذي الثمار الحمراء اللامعة، الذي أظهر أداءً جيدًا عند توفير بعض الظل.
أما البلوبيري، أو التوت الأزرق، فشملت التجربة ثلاثة أصناف هي «بيلوكسي» و«ليجاسي» و«صن شاين بلو»، وأظهرت نتائج المبادرة تأقلمًا جيدًا لبيلوكسي مع الأجواء الدافئة، وتميز ليجاسي بحجم ثماره الكبير نسبيًا، بينما أظهر صن شاين بلو نتائج جيدة عند الاهتمام بحموضة الوسط الزراعي وجودة مياه الري.

لماذا تمثل زراعة التوت فرصة لتنويع الزراعة الفلسطينية؟
تتجاوز أهمية هذه التجربة مجرد إدخال أنواع جديدة من الفاكهة إلى المزارع، إذ يمكن أن تفتح الباب أمام تنويع الإنتاج الزراعي، واختبار محاصيل ذات قيمة سوقية مرتفعة، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المزارعين في المناطق التي تسمح ظروفها المناخية والمائية بذلك.
وتتميز ثمار التوت بتنوع استخداماتها؛ إذ يمكن تسويقها طازجة، أو استخدامها في إنتاج العصائر والمربات والحلويات والمنتجات المجمدة، كما تدخل في عدد من الصناعات الغذائية.
ويمنح هذا التنوع فرصًا لإضافة قيمة إلى المحصول بدلًا من الاعتماد على بيعه في صورته الأولية فقط، لكن تحويل هذه الفرصة إلى نشاط تجاري ناجح يتطلب دراسة حجم الطلب، وقدرة الأسواق المحلية على استيعاب الإنتاج، وتكاليف الزراعة والحصاد والتعبئة والتبريد والنقل.
وتحتاج ثمار التوت الطازجة، بوجه خاص، إلى عناية بعد الحصاد بسبب حساسيتها للتلف وفقدان الجودة، وهو ما يجعل توافر سلاسل تبريد ونقل سريعة عنصرًا مهمًا عند التفكير في الإنتاج التجاري والتوسع في التسويق.

ارتفاع الحرارة.. التحدي الأكبر أمام إنتاج التوت
تأتي تجربة جنين في وقت تتزايد فيه المخاوف العلمية من تأثير ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر في محاصيل الفاكهة، ومنها التوت بأنواعه المختلفة.
ففي دراسة علمية نشرت عام 2026 في دورية «Scientia Horticulturae»، تناول الباحثون التأثيرات المحتملة لارتفاع درجات الحرارة في نضج وجودة ثمار الراسبيري والبلاكبيري والبلوبيري، وأشاروا إلى أن التعرض للحرارة المرتفعة والإشعاع الشمسي قد يزيد من اضطرابات فسيولوجية في الثمار، ويؤدي إلى تراجع الجودة.
ورصدت الدراسة ارتباط الحرارة بظهور اضطراب تحول لون بعض حبيبات ثمرة البلاكبيري إلى الأبيض، المعروف باسم «White Drupelet Disorder»، وكذلك ظاهرة عودة بعض حبيبات الثمرة إلى اللون الأحمر في أصناف البلاكبيري، بينما يرتبط الضرر الحراري في البلوبيري بتلف الثمار، وتتأثر جودة الراسبيري أيضًا باضطرابات فسيولوجية مرتبطة بالحرارة.
وتؤكد نتائج الدراسة أن تأثير الحرارة لا يتوقف عند تراجع نمو النبات، بل قد يمتد إلى جودة الثمار ومظهرها وقابليتها للتسويق، وأن اختيار الصنف المناسب وتطبيق إجراءات التكيف يجب أن يراعيا الظروف المحلية لكل منطقة.
وهذا يجعل ملاحظة تأثر صنف «برايم آرك فريدوم» بأشد فترات الصيف حرارة في تجربة جنين نقطة مهمة تستحق المتابعة، خصوصًا عند مقارنة أدائه في مواسم مختلفة وتحت نظم ري وتظليل متباينة.

الظل والتبريد وإدارة الري.. أدوات للتكيف مع المناخ
لا يتوقف نجاح زراعة التوت في المناطق الدافئة على اختيار الصنف وحده، بل يرتبط كذلك بإدارة المناخ المحيط بالنبات، وتوفير المياه، والحد من الإجهاد الحراري خلال مراحل الإزهار وتكوين الثمار ونضجها.
وفي دراسة بحثية منشورة عام 2026 حول استراتيجيات الحد من الإجهاد الحراري في الراسبيري، اختبر الباحثون تأثير التبريد بالرش والتظليل مقارنة بالزراعة دون معاملة، على أربعة تراكيب وراثية من الراسبيري خلال موسمي إنتاج في بيئة شبه جافة ذات صيف حار وجاف.
وأظهرت النتائج أن التظليل والتبريد حسّنا الظروف المناخية داخل المجموع الخضري للنبات، وساعدا على الحفاظ على كفاءة العمليات الفسيولوجية المرتبطة بالتمثيل الضوئي والحالة المائية للنبات، مقارنة بالنباتات غير المعاملة.
وتعزز هذه النتائج أهمية اختبار نظم التظليل والتبريد في المناطق التي تتعرض لموجات حر شديدة، مع ضرورة تقييم تكاليف هذه الإجراءات ومدى جدواها الاقتصادية قبل تطبيقها على نطاق تجاري.
كما أظهرت دراسة ميدانية عن زراعة البلاكبيري في ولاية ألاباما الأمريكية، نُشرت عام 2026، أن استخدام شبكات تظليل بنسبة 30% لم يؤد إلى نتائج متطابقة في موسمي الدراسة؛ فقد زاد الإنتاج في أحد الموسمين، لكن التأثير لم يتكرر بالصورة نفسها في الموسم التالي.
كما ارتبط التظليل بزيادة حجم الثمار وانخفاض بعض عيوبها، لكنه أثر أيضًا في بعض مؤشرات الجودة مثل المواد الصلبة الذائبة والحموضة.
وتشير هذه النتائج إلى أن التظليل ليس حلًا موحدًا لجميع الأصناف والمناطق، وأن تحديد نسبته وتوقيته يتطلب تجارب محلية تقيس تأثيره في الإنتاج والجودة معًا.

البلوبيري يحتاج إلى إدارة مختلفة للتربة ومياه الري
من أبرز التحديات الفنية في تجربة التوت أن البلوبيري يختلف عن كثير من محاصيل الفاكهة في احتياجاته المتعلقة بحموضة التربة والوسط الزراعي.
فوفقًا لإرشادات جامعة ولاية ميسيسيبي الأمريكية، ينمو البلوبيري بصورة أفضل في أوساط زراعية جيدة الصرف، ذات حموضة مرتفعة نسبيًا، مع نطاق مناسب لدرجة الحموضة يتراوح عادة بين 4.5 و5.5.
وتحذر الإرشادات من أن زراعة البلوبيري في وسط لا تتناسب حموضته مع احتياجات النبات قد تؤدي إلى ضعف النمو وظهور نقص في العناصر الغذائية وارتفاع معدلات نفوق النباتات خلال مرحلة التأسيس.
كما توصي بإجراء تحاليل للتربة ومياه الري قبل اختيار موقع الزراعة، مع مراعاة اختلاف احتياجات الأصناف من ساعات البرودة اللازمة للخروج من طور السكون، وهي نقطة مهمة عند اختيار الأصناف المناسبة للمناطق الدافئة.
وبالتالي، فإن نجاح أصناف مثل بيلوكسي وليجاسي وصن شاين بلو في تجربة جنين لا ينبغي أن ينفصل عن متابعة حموضة الوسط الزراعي وجودة المياه وملوحة التربة ومياه الري، وهي عوامل قد تكون حاسمة في استمرارية الإنتاج.

المياه والتربة والتسميد.. أساس نجاح المزارع
تحتاج محاصيل البلاكبيري والراسبيري إلى إمدادات منتظمة من المياه، خصوصًا خلال تكوين الثمار ونضجها، مع تجنب تشبع التربة بالمياه أو ركودها حول الجذور.
وتشير إرشادات برنامج الإدارة المتكاملة للآفات بجامعة كاليفورنيا إلى أهمية اختيار الأراضي العميقة جيدة الصرف، وتوفير رطوبة مناسبة باستمرار، مع تجنب الري العلوي خلال مرحلة نضج الثمار، لأنه قد يزيد من مخاطر أعفان الثمار وبعض الأمراض النباتية.
وتوصي الإرشادات كذلك بالاعتماد على نظم ري مناسبة مثل التنقيط أو الرشاشات الدقيقة، مع ضبط معدلات الري وفق طبيعة التربة والطقس ومرحلة نمو النبات، بدلًا من اعتماد جدول ثابت لجميع المزارع.
وتزداد أهمية هذه الممارسات في المناطق التي تواجه ضغوطًا على الموارد المائية، إذ يمكن أن يساعد تحسين كفاءة الري ومراقبة رطوبة التربة على تقليل الفاقد، مع الحفاظ على احتياجات المحصول.

من نجاح الزراعة إلى الجدوى الاقتصادية.. ما الخطوة التالية؟
رغم المؤشرات الإيجابية التي قدمتها تجربة «عليق فلسطين»، فإن الانتقال من اختبار الأصناف إلى التوسع التجاري يتطلب مرحلة إضافية من التقييم العلمي والاقتصادي.
وتشمل هذه المرحلة تسجيل إنتاجية كل صنف بوحدة الكيلوجرام للنبات أو للفدان، ومواعيد بدء الحصاد وانتهائه، ومتوسط وزن الثمرة، ونسبة الثمار القابلة للتسويق، ومعدلات الفاقد، واستهلاك المياه والأسمدة، وتكاليف العمالة والتعبئة والتبريد.
كما يتعين مقارنة الأصناف على مدار أكثر من موسم، لأن نجاح النبات في موسم واحد لا يكفي للحكم على استقراره الإنتاجي، خصوصًا مع اختلاف درجات الحرارة والأمطار ومواعيد البرودة من عام إلى آخر.
وتبرز كذلك أهمية اختبار قدرة الثمار على تحمل النقل والتخزين، ومدى تقبل المستهلكين لأصناف التوت المختلفة، وأسعار البيع الممكنة في الأسواق المحلية، فضلًا عن فرص التصنيع الغذائي والتسويق للمنتجات المجمدة.
ويمكن أن تساعد هذه البيانات في تحديد الأصناف التي لا تتمتع فقط بقدرة على النمو في البيئة المحلية، وإنما تحقق أيضًا عائدًا اقتصاديًا مناسبًا للمزارع.

«عليق فلسطين»: نزرع المعرفة قبل الثمار
تؤكد المبادرة أن تجربتها لن تتوقف عند الأصناف الأربعة عشر، إذ وصلت إليها أصناف جديدة تخضع للاختبار، مع خطط لتجربة أنواع أخرى خلال المواسم المقبلة، ومشاركة الجمهور مراحل نموها وإنتاجها ومميزاتها والتحديات التي تواجهها.
وتتبنى «عليق فلسطين» نهجًا يقوم على عرض نتائج التجربة العملية دون مبالغة أو أحكام مسبقة، مع التأكيد أن الصنف الذي ينجح في جنين ليس بالضرورة أن يحقق النتائج نفسها في منطقة أخرى، لاختلاف المناخ والتربة ومياه الري وأساليب الإدارة الزراعية.

وفي ظل التغيرات المناخية والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل الزراعي، تمثل هذه التجارب المحلية خطوة مهمة لاختبار محاصيل جديدة، وتكوين معرفة زراعية قابلة للتطبيق، شريطة استكمالها ببيانات إنتاجية واقتصادية موثقة.
فالمستقبل لا يتوقف عند زراعة صنف جديد، بل يبدأ من معرفة احتياجاته، وقياس إنتاجيته، وتحديد قدرته على تحمل الظروف المحلية، ثم التأكد من أن إنتاجه يمكن أن يصل إلى المستهلك بجودة وسعر يحققان عائدًا مستدامًا للمزارع.





