وكالة الفضاء الأوروبية تطلق حاسوبًا فائقًا لدعم أبحاث الفضاء والذكاء الاصطناعي

حوسبة فائقة لخدمة الفضاء.. مشروع أوروبي جديد لمعالجة بيانات الأقمار الصناعية

أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) بيئة حوسبة فائقة الأداء تُعرف باسم Space HPC في مركزها للأرصاد الأرضية (ESRIN) بإيطاليا عام 2025، بهدف تسريع أبحاث الفضاء الأوروبية، ومعالجة الكميات الهائلة من بيانات الأقمار الصناعية، وتشغيل محاكاة علمية وتقنية شديدة التعقيد.

ويستهدف النظام الجديد تحليل مجموعات ضخمة من بيانات الرصد الفضائي، وتشغيل نماذج محاكاة متقدمة، مع إتاحة الفرصة للشركات الصغيرة والمتوسطة لاختبار أفكارها وتقنياتها في بيئة آمنة ومشتركة.

وجرى تطوير المنصة بالتعاون مع شركة Hewlett Packard Enterprise، لتوفر لفرق وكالة الفضاء الأوروبية مكانًا موحدًا لإجراء التحليلات كثيفة الحسابات الخاصة بالبعثات الفضائية واختبارات التكنولوجيا، تحت إشراف مباشر من الوكالة وبالشراكة مع الباحثين وشركاء الصناعة.

موقع البيانات وأهميته

يقع مركز الحوسبة بالقرب من أقمار رصد الأرض التي تقيس مؤشرات اليابسة والبحار والغلاف الجوي. ويكتسب هذا القرب أهمية كبيرة، نظرًا لأن العديد من المهمات الفضائية ترسل تدفقات بيانات مستمرة، ويؤدي نقل الملفات الخام عبر الشبكات إلى استهلاك الوقت ورفع التكاليف.

ويسمح هذا النهج بإجراء فحوصات البيانات وتصحيحها بسرعة، ما يمكّن الباحثين من التركيز على الإشارات العلمية الدقيقة بدلًا من إهدار الوقت في معالجة الضوضاء الناتجة عن أجهزة الاستشعار.

وكالة الفضاء الأوروبية تفتتح بيئة حوسبة عالية الأداء لدعم الشركات الصغيرة والبحث العلمي

ما الذي يميز Space HPC؟

تعتمد المنصة على مفهوم الحوسبة عالية الأداء، حيث تعمل آلاف المعالجات معًا لحل مسائل معقدة في وقت قياسي، وهو أمر بالغ الأهمية للمهمات التي تتطلب استجابات أسرع مما توفره الخوادم التقليدية.

ويُسرّع النظام عمليات المحاكاة من خلال تقسيم المعادلات الكبيرة إلى آلاف الحسابات الأصغر التي تُنفّذ بالتوازي عبر عدد هائل من الأنوية الحاسوبية، مع الاعتماد على اختبارات أداء دقيقة لاختيار إعدادات البرمجيات الأنسب لكل مهمة.

تسريع دورة البحث العلمي

تتيح الحوسبة الفائقة لفرق وكالة الفضاء الأوروبية تشغيل النماذج بشكل متكرر، ومقارنة النتائج، وتعديل الفرضيات بسرعة دون انتظار جداول تشغيل خارجية.

كما توفر الوكالة بيئة اختبار مضبوطة لتجربة التقنيات غير المكتملة، ما يساعد الشركاء على اكتشاف المشكلات قبل الإطلاق، ويقلل التكاليف عبر تجنب التعاقدات المتكررة مع خدمات حوسبة خارجية.

الذكاء الاصطناعي على متن الأقمار الصناعية

يدعم النظام تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تتعلم من البيانات لرصد السحب، وتتبع السفن، وتحليل الصور الفضائية.
وتتطلب عمليات تدريب النماذج الذكية موارد حسابية ضخمة بسبب تحديث ملايين المعاملات الداخلية، وهو ما توفره هذه البنية الجديدة بكفاءة عالية.

وتُسهم هذه القدرات في تحويل صور الأقمار الصناعية بسرعة إلى خرائط دقيقة للحرائق والفيضانات وإجهاد المحاصيل في مختلف أنحاء أوروبا.

دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة

تفتح منصة Space HPC أبوابها أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال نظام تقديم مبسط يمنحها حصة عادلة من وقت الحوسبة، مع ضمان حماية بياناتها وحقوقها الفكرية.

ويساعد هذا النهج في خلق بيئة تنافسية متوازنة، تتيح لهذه الشركات مشاركة تصاميمها الأولية دون الخوف من تسرب الأسرار التجارية.

النماذج قبل تصنيع العتاد

تُستخدم المنصة في تشغيل نماذج محاكاة تحاكي الظروف الحقيقية لمكونات المركبات الفضائية وعمليات الإطلاق، ما يسمح باكتشاف نقاط الضعف الناتجة عن الحرارة أو الاهتزاز في وقت مبكر.

ويؤدي تكرار عمليات المحاكاة إلى رفع مستوى الثقة في التصميمات النهائية، بدلًا من الاعتماد على سيناريو مثالي واحد.

نمذجة طقس الفضاء

من بين الاستخدامات المبكرة للنظام نمذجة طقس الفضاء، المرتبط بالنشاط الشمسي الذي قد يعطل الاتصالات وشبكات الملاحة والطاقة على الأرض.

وتبدأ النماذج من بيانات الشمس، ثم تحاكي حركة الجسيمات، وصولًا إلى تقدير تأثيرها على الأقمار الصناعية والبنية التحتية الأرضية، ما يسمح بإصدار تحذيرات مبكرة للمشغلين.

قدرات تقنية متقدمة

يوفر نظام Space HPC نحو 34 ألف نواة معالجة، وقدرة حسابية تصل إلى خمسة بيتافلوب، مع عرض نطاق عالٍ للذاكرة يضمن سرعة نقل البيانات بين المعالجات ووحدات التخزين.

وقال جوزيف أشباخر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية:
«توفر وكالة الفضاء الأوروبية بنية حوسبة فائقة مرنة لدعم البحث والتطوير والاختبارات وعمليات القياس السريع للأداء».

كفاءة الطاقة والاستدامة

نظرًا لاستهلاك الحواسيب الفائقة كميات كبيرة من الطاقة، جرى تصميم المنشأة وفق معايير عالية الكفاءة لتقليل التكاليف والانبعاثات، مع مراقبة مستمرة لاستهلاك الطاقة وكفاءة أنظمة التبريد، وإعادة استخدام الحرارة المهدرة كلما أمكن.

تكامل أوروبي أوسع

صُمم النظام ليكمل الحواسيب الفائقة الوطنية في أوروبا، بحيث تبدأ المشروعات على نطاق صغير قبل الانتقال إلى منصات أكبر، كما يعمل كميدان تدريب للفرق البحثية.

وفي النهاية، تنعكس فوائد هذه المنصة على المواطنين العاديين عبر تحسين التنبؤات الفضائية التي توجه مسارات الطيران، وتدعم أنظمة الإنذار المبكر، وتُحسن قرارات الزراعة وإدارة المخاطر المناخية.

Exit mobile version