د.هبة محمد إمام:خطوة بخطوة كيف تتوافق منشأتك مع قانون التغير المناخي الإماراتي الجديد

استشاري وخبير بيئي

خطوات عملية لتجنب غرامات تصل إلى 2 مليون درهم

يمثل المرسوم بقانون الأتحادي رقم (11) لسنة 2024 في شأن الحد من تأثيرات التغيّر المناخي، الذي أصدرته دول الإمارات العربية المتحدة ، نقلة نوعية في مسيرة العمل البيئي ،هذا التشريع الذي يُعد الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لا يضع فقط إطاراً قانونياً لتحقيق “المبادرة الاستراتيجية للحياد المناخي 2050″، بل يحول الالتزامات المناخية من مبادرات طوعية إلى واجبات قانونية صارمة على عاتق المنشآت العاملة في الدولة، مدعومة بعقوبات مالية رادعة.

بالنسبة للشركات والمنشآت على اختلاف أحجامها وقطاعاتها، لم يعد العمل المناخي خياراً استراتيجياً فحسب، بل أصبح ضرورة حتمية لضمان الامتثال القانوني واستمرارية الأعمال. يهدف هذا المقال إلى تقديم أرشادات للمنشآت في دولة الإمارات، لشرح التزاماتها الجديدة بموجب هذا القانون، وتوضيح الإجراءات العملية التي يجب اتخاذها لتجنب الغرامات المالية الكبيرة، وضمان التوافق مع الرؤية الوطنية والدولية لمستقبل مستدام.

ملخص شامل لأهم محاور المرسوم بقانون اتحادي رقم (11) لسنة 2024

قبل الخوض في تفاصيل الإجراءات المطلوبة، من الضروري فهم الأركان الأساسية التي يقوم عليها هذا القانون المحوري:

• الهدف الاستراتيجي: تحقيق الحياد المناخي: الهدف الأسمى للقانون هو إدارة الانبعاثات على المستوى الوطني للمساهمة بفعالية في الجهود الدولية والوصول إلى الحياد المناخي، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على التكيف مع آثار التغير المناخي.

• نطاق التطبيق الواسع: تسري أحكام القانون على “المصادر”، والتي تُعرّف بأنها “الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والمنشآت الفردية التي ينتج عن عملياتها أو أنشطتها إطلاق غاز من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي”. ويشمل هذا التعريف كافة المنشآت داخل إقليم الدولة، بما في ذلك المناطق الحرة، مما يعني أن دائرة الالتزام واسعة جداً.

• مسارات إلزامية لخفض الانبعاثات: تلزم المادة (4) من القانون المصادر بالمساهمة في خفض الانبعاثات من خلال تطبيق واحدة أو أكثر من الوسائل المحددة، مثل تحسين كفاءة الطاقة، استخدام الطاقة النظيفة، احتجاز الكربون وتخزينه، والإدارة المتكاملة للنفايات.

• إطار القياس والإبلاغ والتحقق (MRV): يمثل هذا الإطار، الذي تنص عليه المادة (6)، حجر الزاوية في آلية الامتثال. فهو يلزم المصادر( الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والمنشآت الفردية ) التي تحددها السلطات بقياس انبعاثاتها بشكل دوري، وإعداد سجلات وتقارير مفصلة، وتسليمها للجهات المعنية.

• العقوبات الرادعة: المخالفة الأكثر خطورة بموجب هذا القانون هي عدم الالتزام بمتطلبات القياس والإبلاغ والتحقق. حيث تنص المادة (15) صراحة على فرض غرامة لا تقل عن 50,000 درهم ولا تزيد على 2,000,000 درهم على أي مصدر يخالف أحكام البند (1) من المادة (6) وتتضاعف هذه العقوبة في حال تكرار المخالفة خلال عامين.

• المهلة الزمنية للتوافق: تمنح المادة (18) المصادر مهلة مدتها سنة واحدة لتوفيق أوضاعها وفقاً لأحكام القانون، تبدأ من تاريخ دخوله حيز التنفيذ، وهي فترة قابلة للتمديد بقرار من مجلس الوزراء. دخل القانون حيز التنفيذ في 30 مايو 2025، مما يعني أن على الشركات الامتثال بحلول مايو 2026.

الدليل العملي لامتثال المنشآت: الإجراءات الأساسية لتجنب الغرامات

إن الانتقال نحو الامتثال الكامل يتطلب نهجاً استباقياً ومنهجياً. فيما يلي تفصيل للإجراءات الرئيسية التي يجب على كل منشأة البدء في تطبيقها فوراً.

1: فهم وتحديد الالتزامات الخاصة بمنشأتك

الخطوة الأولى نحو الامتثال ليست البدء في إجراءات عشوائية، بل الفهم الدقيق لما هو مطلوب من منشأتك تحديداً.

القانون يتبنى نهجاً متدرجاً، حيث أن الالتزامات الأكثر صرامة المتعلقة بالقياس والإبلاغ والتحقق (MRV) ستطبق على “المصادر التي تحددها الوزارة والسلطة المختصة”. هذا يعني أن القطاعات ذات الانبعاثات الكثيفة مثل الصناعة الثقيلة، والطاقة، والنقل، وإدارة النفايات، والإنشاءات ستكون على الأرجح في أول المنشآت المستهدفة.

الإجراءات العملية:

يجب على إدارات المنشآت البدء فوراً في المراقبة الاستباقية للقرارات التنفيذية التي ستصدر عن وزارة التغير المناخي والبيئة والسلطات المحلية المختصة في كل إمارة (مثل هيئات البيئة أو البلديات). هذه القرارات ستوضح بالتفصيل القطاعات المحددة، والمعايير الفنية للقياس.

بالتوازي مع ذلك، يجب على كل منشأة إجراء تقييم ذاتي مبدئي لتحديد حجم بصمتها الكربونية. هذا التقييم الداخلي سيساعد المنشأة على فهم موقعها من متطلبات القانون المحتملة، وتحديد ما إذا كانت عملياتها تضعها ضمن فئة “عالية الانبعاثات”. هذا الاستعداد المبكر سيمنحها ميزة استراتيجية عند صدور القرارات التنفيذية الملزمة.

2: تأسيس نظام داخلي لقياس الانبعاثات

هذا هو قلب الامتثال للقانون والشرط الأساسي لتجنب الغرامات المنصوص عليها في المادة (15) فالمادة (6) (1) (أ) تلزم المصادر المحددة بـ “قياس الانبعاثات الصادرة عن أنشطتها بشكل دوري”. هذا لا يعني عملية تقديرية، بل يتطلب نظاماً علمياً ودقيقاً ومستمراً لجمع البيانات وتحليلها.

الإجراءات العملية:

أولاً، يجب على المنشأة تحديد كافة مصادر الانبعاثات ضمن عملياتها وذلك من خلال مختص (مهندس او خبير بيئي ). يمكن تبسيط ذلك بالنظر إلى النطاقات المعترف بها دولياً:

• النطاق 1 (الانبعاثات المباشرة): تشمل الانبعاثات الناتجة عن مصادر تملكها أو تسيطر عليها المنشأة مباشرة، مثل احتراق الوقود في الغلايات، والأفران، والمركبات التابعة لمنشأت .

• النطاق 2 (الانبعاثات غير المباشرة من الطاقة): تشمل الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء أو البخار أو التبريد الذي تشتريه المنشأة وتستهلكه.

ثانياً، يتوجب على المنشأة اعتماد منهجيات قياس موثوقة. ستحدد الوزارة والسلطات المختصة المعايير المعتمدة، ولكن يمكن للمنشآت البدء بالاطلاع على بروتوكولات عالمية مثل “بروتوكول غازات الدفيئة” (GHG Protocol) كإطار عمل.

يتضمن ذلك جمع “بيانات النشاط” (مثل كمية الوقود المستهلكة باللتر، أو استهلاك الكهرباء بالكيلوواط/ساعة) وضربها في “عوامل الانبعاث” المناسبة.

أخيراً، يتطلب هذا الاستثمار في القدرات البشرية والتقنية. تحتاج المنشآت إلى تعيين و تدريب متخصص (كمهندس بيئي أو مدير استدامة) وتخصيص الموارد اللازمة لشراء برمجيات متخصصة لتتبع الانبعاثات، مما يضمن دقة البيانات وسهولة إعداد التقارير.

3: إعداد “سجل الانبعاثات” وتقديم التقارير الدورية

القياس وحده لا يكفي؛ فالقانون يلزم بإنشاء “سجل الانبعاثات” وتقديم التقارير بشكل دوري. هذا السجل ليس مجرد قائمة بالأرقام، بل هو وثيقة استراتيجية تعكس جهود المنشأة المناخية. فبحسب تعريف القانون، يجب أن يحتوي السجل على “بيانات الانبعاثات داخل الدولة وإجراءات التخفيف منها قيد التنفيذ والمخطط لها ونتائجها المتوقعة”.

الإجراءات العملية:

يجب على المنشآت تصميم هيكل واضح لسجل الانبعاثات يتضمن الأقسام التالية:

1. بيانات الانبعاثات: تفصيل كميات انبعاثات غازات الدفيئة بشكل دوري (شهري، ربع سنوي، أو سنوي حسب ما سيتم تحديده) مصنفة حسب المصدر والنطاق.

2. إجراءات الخفض الحالية: وصف دقيق للمبادرات التي تطبقها المنشأة حالياً لخفض الانبعاثات، مثل مشاريع كفاءة الطاقة أو التحول إلى مصادر طاقة نظيفة، مع بيانات حول الأثر الفعلي لهذه الإجراءات.

3. إجراءات الخفض المستقبلية: خطة عمل واضحة للمشاريع المستقبلية التي تنوي المنشأة تنفيذها، والجدول الزمني لها، والنتائج المتوقعة من حيث خفض الانبعاثات.

يجب أن تكون المنشآت على أهبة الاستعداد للالتزام بالنماذج والجداول الزمنية التي ستعتمدها الوزارة. فالمادة (6) (1) (ب) تشير إلى ضرورة تسليم البيانات “وفقاً للنماذج المعتمدة من قبل الوزارة”. ومن المرجح أن يتم ذلك عبر المنصة الإلكترونية الوطنية التي نص عليها القانون، مما يتطلب جاهزية تقنية لتسليم البيانات إلكترونياً.

4: الاحتفاظ بالسجلات والتعاون التام مع السلطات

يمثل هذا الإجراء شرطاً قانونياً بسيطاً في ظاهره، ولكنه حاسم في آثاره. فالمادة (6) (1) (ج) تلزم المصادر بـ “الاحتفاظ بسجل قياس كميات الانبعاثات لمدة (5) خمس سنوات من تاريخ كل تحليل”.

والأهم من ذلك، تمكين الموظفين الذين يحملون صفة الضبطية القضائية من الاطلاع على هذه السجلات. إن الفشل في تقديم هذه السجلات عند الطلب يعد مخالفة مباشرة لأحكام المادة (6) وبالتالي يعرض المنشأة للغرامة القصوى.

الإجراءات العملية:

يجب على المنشآت تطوير سياسة داخلية واضحة وموثقة لحفظ السجلات. يجب أن تكون هذه السجلات، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، مؤرشفة بطريقة منظمة وآمنة تضمن سهولة استرجاعها في أي وقت خلال فترة الخمس سنوات.

لا يكفي الاحتفاظ بالتقارير النهائية فقط، بل يجب حفظ البيانات الأولية ومنهجيات الحساب والتحليلات التي بنيت عليها التقارير.

كما يجب إعداد بروتوكول داخلي للتعامل مع عمليات التدقيق والتفتيش. يجب تدريب الموظفين المعنيين على كيفية التعامل مع طلبات موظفي الضبطية القضائية، وتحديد المسؤول عن تقديم السجلات المطلوبة بشكل فوري وشفاف. إن الاستعداد المسبق لهذه الزيارات يضمن سلاسة العملية ويعكس جدية المنشأة في الامتثال للقانون.

5: التخطيط الاستراتيجي لخفض الانبعاثات

في حين أن الغرامات المباشرة مرتبطة بشكل أساسي بفشل آليات القياس والإبلاغ، فإن الهدف النهائي للقانون هو تحقيق خفض حقيقي في الانبعاثات للوصول إلى الحياد المناخيز.

المنشآت الذكية هي التي لن تكتفي بالامتثال الشكلي، بل ستدمج العمل المناخي في صميم استراتيجيتها التشغيلية والاستثمارية.

الإجراءات العملية:

على المنشآت البدء في تقييم خيارات التخفيف المتاحة لها بناءً على المسارات التي حددتها المادة (4).

على سبيل المثال، يمكن لمصنع أن يقيم جدوى تحديث خطوط الإنتاج لرفع كفاءة استهلاك الطاقة، أو تركيب ألواح شمسية على أسطح مبانيه لتوليد طاقة نظيفة، أو دراسة تقنيات احتجاز الكربون إذا كان من كبار مصدري الانبعاثات.

كما يشجع القانون على تبني آليات مالية مبتكرة. على سبيل المثال، يمكن للمنشآت البدء في تطبيق “سعر الظل للكربون” داخلياً، وهو سعر افتراضي لتكلفة انبعاثات الكربون. هذا الإجراء، الذي تشير إليه المادة (10)، يساعد الإدارة على اتخاذ قرارات استثمارية أفضل من خلال فهم التأثير المالي المحتمل لمشاريعها الجديدة على بصمتها الكربونية.

أخيراً، يفتح القانون الباب أمام آليات تعويض الكربون من خلال إنشاء “السجل الوطني لأرصدة الكربون”. هذا يعني أن المنشآت التي تواجه صعوبة في خفض انبعاثاتها بشكل مباشر (Hard-to-abate sectors) يمكنها الاستثمار في مشاريع خضراء أخرى (مثل مشاريع الطاقة المتجددة أو التشجير) لتعويض انبعاثاتها، وهو ما قد يصبح مسار امتثال معتمد في المستقبل.

الامتثال ليس عبئاً بل فرصة للمستقبل

إن مرسوم بقانون اتحادي رقم (11) لسنة 2024 ليس مجرد تشريع بيئي آخر، بل هو إعلان عن حقبة جديدة من المسؤولية المؤسسية في دولة الإمارات. إنه ينقل العمل المناخي من خانة المسؤولية المجتمعية الطوعية إلى صلب الالتزام القانوني، مع عواقب مالية وخيمة للمخالفين.

يجب على المنشآت ألا تنظر إلى هذه الالتزامات كعبء تشغيلي، بل كفرصة استراتيجية. فالشركات التي تبادر بالامتثال لن تتجنب الغرامات فحسب، بل ستعزز أيضاً من كفاءتها التشغيلية، وتقلل من هدر الطاقة والموارد، وتبني سمعة قوية ككيان مسؤول ومستدام.

إن الاستثمار في التقنيات الخضراء والابتكار في نماذج الأعمال منخفضة الكربون هو استثمار في المستقبل، يعزز القدرة التنافسية للمنشأة ويؤمن استمراريتها في اقتصاد عالمي يتجه بسرعة نحو الاستدامة.

الرسالة واضحة على جميع المنشآت في دولة الإمارات، الكبيرة والصغيرة، أن تبدأ رحلة الامتثال اليوم. إن فهم القانون، وتقييم الانبعاثات، ووضع خطة عمل واضحة، وتخصيص الموارد اللازمة، هي خطوات لا غنى عنها لضمان التوافق مع القانون والمساهمة بفعالية في تحقيق رؤية الإمارات لمستقبل محايد مناخياً ومستدام .

Exit mobile version