لماذا تفشل الصادرات الزراعية الأفريقية؟ وكيف يمكن تغيير المعادلة؟
نقص التمويل وتقييد الأراضي.. عقبات تخنق صادرات أفريقيا الزراعية
أفريقيا القارة الأكثر امتلاكًا للمقومات الزراعية عالميًا، لكنها ما تزال لاعبًا هامشيًا في سلاسل القيمة agribusiness. هذا التناقض يشكّل جوهر تحديات تنمية القارة.
يمتلك الإقليم ما يقرب من نصف الأراضي الصالحة للزراعة عالميًا، ومعظمها قابل للزراعة، وغير محمي، وقليل السكان، إضافة إلى مناخ يدعم إنتاج 80% من الأغذية المستهلكة حول العالم، ورغم ذلك، تراجعت حصة أفريقيا من الصادرات الزراعية العالمية من نحو 8% عام 1960 إلى 4% في مطلع العقد الثالث من الألفية، وفق بيانات البنك الدولي.
ورغم مساهمة agribusiness بنسبة كبيرة في الناتج المحلي والتوظيف، لا تتجاوز حصة القطاع من الإنفاق العام 4% في المتوسط، مقارنة بما بين 7% و8% في دول مثل مالي وجنوب السودان، وأقل من 3% في كينيا وغانا.
وقد فضّلت حكومات عديدة طريق التصنيع كمدخل للاندماج في الاقتصاد العالمي بدلًا من تعزيز الصادرات الزراعية.
وبناءً على خبرة بحثية وميدانية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترى الكاتبة أن القطاع الزراعي قادر على قيادة إدماج أفريقيا في الاقتصاد العالمي، شرط تنفيذ أربع إصلاحات أساسية: تحسين الوصول إلى رأس المال، وتوثيق الأراضي، وتطوير سياسات عابرة للحدود، واستخدام أدوات التجارة بفاعلية.
1- تحسين الوصول إلى رأس المال
يمثّل شحّ التمويل أكبر عقبة أمام agribusiness في أفريقيا، فالمؤسسات المالية تتردد في الإقراض بسبب ارتفاع المخاطر وضعف الضمانات وطول دورة الاستثمار.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الزراعة تحصل على نحو 1% فقط من القروض التجارية، رغم مساهمتها بما يصل إلى 40% من الناتج المحلي في دول مثل نيجيريا وإثيوبيا.
يمكن للحكومات سد هذه الفجوة عبر التوسع في الإقراض العام، ودعم مشاركة القطاع الخاص بآليات لتقاسم المخاطر.
ويبرز نموذج خولة لضمان الائتمان في جنوب أفريقيا باعتباره مثالًا ناجحًا، وقد تم تكراره في كينيا وتنزانيا بدعم من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات التمويل التنموي.
كما يشهد التمويل الخاص نموًا سريعًا، إذ جذبَت نيجيريا وجنوب أفريقيا نحو 500 مليون دولار لكل منهما من استثمارات رأس المال المغامر عام 2024، بينما تجاوزت القروض عبر منصات الإقراض متناهي الصغر 8.5 مليار دولار.
2- توثيق الأراضي
أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في أفريقيا غير موثّقة رسميًا، وتخضع لنظم عرفية غير متصلة بالبنية القانونية الحديثة.
ضعف الإدارة الأرضية يعيق الاستثمار ويحد من استخدام الأرض كضمان للحصول على التمويل، كما يجعل نقل الملكية أكثر تكلفة وبطئًا مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وقد أظهرت إصلاحات متنوعة خلال العقد الماضي جدواها؛ ففي إثيوبيا، منحت الحكومة شهادات ملكية لـ20 مليون مزارع صغير، ما عزّز أنشطة الإيجار.
وفي ملاوي أدى توزيع 15 ألف هكتار إلى رفع دخول الأسر بنسبة 40%. كما اعترفت حكومات موزمبيق وأوغندا وليبيريا بالمؤسسات العرفية لتسهيل التعاقدات، فيما حسّنت رواندا الشفافية عبر مشروع مسح شامل للأراضي.
3- تطوير سياسات عابرة للحدود
تتطلب الأسواق الإقليمية والدولية استراتيجيات مختلفة، فالأسواق الأفريقية تستفيد من القرب الجغرافي وتوحيد القواعد التنظيمية.
وقد ساهمت إجراءات تيسير التجارة في مجموعة شرق أفريقيا في زيادة صادرات الألبان داخل الإقليم بنحو 65 ضعفًا خلال عقد واحد.
أما الأسواق العالمية، والتي تستوعب معظم الصادرات الزراعية الأفريقية، فتحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية وسلاسل التبريد والنقل السريع.
فقد رفعت السنغال صادراتها الزراعية بنسبة 20% سنويًا بفضل تطوير النقل البحري السريع، بينما اعتمد ازدهار صادرات الزهور الإثيوبية على منظومة متقدمة للنقل الجوي وسلاسل التبريد.
كما يجب أن تكون السياسات موجهة بحسب المحصول؛ فاستراتيجية كينيا الخاصة بالأفوكادو جعلتها أكبر مصدّر أفريقي، فيما نجحت مالي في بناء سلسلة قيمة تنافسية للمانجو في السوق الأوروبية.
4- استخدام السياسة التجارية كأداة للترقية
لا تزال أفريقيا تصدّر مواد أولية منخفضة القيمة المضافة، فعلى سبيل المثال، تصدّر نيجيريا معظم إنتاجها من الطماطم دون تصنيع، بينما تستورد معجون الطماطم.
كما لا تتجاوز نسبة الشاي الكيني المباع بعلامات تجارية 5%.
يمكن للسياسات التجارية أن تعكس هذا الاتجاه عبر تشجيع التصنيع المحلي، كما حدث في هيكل التعريفة بمجلس شرق أفريقيا، الذي خفّض الرسوم على مستلزمات الإنتاج، ورفعها على المنتجات الأولية لحفز التصنيع، ومع ذلك، فإن فرض حظر على صادرات المواد الخام دون توفير القدرات التصنيعية اللازمة لن ينجح، كما تظهر تجارب بوتسوانا وأوغندا وساحل العاج.
نحو تحول حاسم
يمثل agribusiness فرصة استراتيجية لأفريقيا لتحقيق تحول اقتصادي واسع، بفضل وفرة الأراضي والمناخ الملائم والطلب المحلي المتزايد.
وتوفر الإصلاحات المقترحة، من التمويل إلى توثيق الأراضي والسياسات التجارية واللوجستية—أساسًا لاستعادة مكانة القارة في التجارة الزراعية العالمية.
فقط عبر انتقال واضح نحو أجندة تنمية تقودها الزراعة يمكن لأفريقيا تعزيز قدرتها التنافسية ورفع مساهمتها في الاقتصاد العالمي.





