نفوذ شركات الوقود الأحفوري أعاد تشكيل البحث العلمي في الجامعات الأمريكية

من تمويل الأبحاث إلى التحكم في الأسئلة العلمية.. كيف تمدد نفوذ الوقود الأحفوري داخل الجامعات الأمريكية؟

نفوذ الشركات والمانحين امتد لعقود إلى تمويل أبحاث المناخ وتعيين الأكاديميين وصياغة البرامج.. والدراسة تحذر من تراجع استقلال الجامعات

كشفت دراسة جديدة عن مسار طويل من تأثير شركات الوقود الأحفوري وشبكات المانحين الليبراليين والمحافظين ومراكز الفكر على الجامعات الأمريكية، معتبرة أن هذا النفوذ ساهم على مدى عقود في إضعاف استقلال المؤسسات الأكاديمية، وجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، خصوصًا في مجالات المناخ والطاقة.

ويرى مؤلفو الدراسة المنشورة في دورية Energy Research & Social Science أن الهجمات التي تعرضت لها الجامعات الأمريكية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ عام 2025 لم تبدأ من فراغ، وإنما جاءت بعد سنوات طويلة من محاولات إعادة تشكيل حوكمة الجامعات وتوسيع نفوذ الجهات المانحة والشركات على قرارات كانت تقليديًا من اختصاص أعضاء هيئة التدريس.

مليارات الدولارات تحت ضغط السياسة والتمويل

بحسب الدراسة، جمّدت إدارة ترامب في عام 2025 مليارات الدولارات من تمويل الأبحاث، وفتحت تحقيقات مع 75 مؤسسة تعليمية، كما دفعت جامعات إلى توقيع اتفاقات تدعم سياسات الإدارة مقابل استمرار حصولها على التمويل الفيدرالي.

وفي إحدى الحالات، ألغت الحكومة الأمريكية 4 ملايين دولار من منح أبحاث المناخ في جامعة برينستون، بينما اتهمت علماء بتغذية ما وصفته بـ«القلق المناخي».

ويحذر نويل هيلي، الأستاذ في جامعة سالم ستيت والمؤلف الرئيسي للدراسة، من أن هذه البيئة قد تدفع الباحثين الشباب إلى تجنب طرح أسئلة علمية قد تهدد فرص حصولهم على التمويل.

ويقول هيلي إن جودة سياسة المناخ تعتمد على جودة الأدلة العلمية التي تستند إليها، محذرًا من أنه عندما تتمكن الصناعة الخاضعة للتنظيم من التأثير في الأسئلة التي يطرحها الباحثون، فإن ذلك يمكن أن يمتد تأثيره إلى السياسات نفسها.

مليارات الدولارات تحت ضغط السياسة والتمويل

مؤشر يكشف تراجع استقلال الجامعات

وتشير الدراسة إلى بيانات مؤشر الحرية الأكاديمية، الذي يقيس مدى قدرة الأكاديميين والجامعات على التدريس والبحث والتعبير عن الأفكار دون تدخل، والتي أظهرت تراجع درجة الاستقلال المؤسسي في الولايات المتحدة من 3.3 عام 2019 إلى 1.7 عام 2025، على مقياس يتراوح بين صفر و4.

ويقول هيلي إن بعض الباحثين منذ عام 2025 بدأوا، بحسب الدراسة، في حذف مصطلحات مثل «تغير المناخ» من طلبات الحصول على المنح خشية رفضها، فيما أغلقت بعض الجامعات برامج قبل أن تطلب الحكومة منها ذلك، في محاولة لتجنب استهدافها.

وبحسب هذا الطرح، فإن التأثير لا يحتاج بالضرورة إلى حظر مباشر للكلام أو البحث؛ إذ يمكن للخوف من فقدان التمويل أن يدفع المؤسسات والباحثين إلى فرض رقابة ذاتية على الموضوعات التي يتناولونها.

نفوذ الوقود الأحفوري أقدم من إدارة ترامب

تؤكد الدراسة أن تأثير المصالح الخارجية في الجامعات الأمريكية ليس ظاهرة جديدة.

ففي عشرينيات القرن الماضي، تعاونت شركات المرافق الكهربائية مع أكاديميين للدفاع عن مواقعها الاحتكارية ومقاومة بعض أشكال التنظيم. وفي خمسينيات القرن الماضي، بدأت شركات الوقود الأحفوري بدعم أبحاث هدفت، وفقًا لما أورده مؤلفو الدراسة، إلى التشكيك في الآثار الصحية لمنتجاتها.

كما أظهرت وثائق داخلية للصناعة، بحسب الدراسة، أن بعض الشركات نظرت إلى البحث الأكاديمي باعتباره وسيلة لتعزيز المصداقية والتأثير في النقاش العام.

لكن نفوذ الشركات لم يقتصر على تمويل الأبحاث، بل امتد إلى جوانب أخرى من الحياة الجامعية، بما في ذلك محتوى البرامج الأكاديمية وتعيين أعضاء هيئة التدريس والتمثيل في مجالس إدارة الجامعات.

أكثر من 700 مليون دولار من شركات الوقود الأحفوري

وتشير الدراسة إلى أن ست شركات للوقود الأحفوري قدمت وحدها أكثر من 700 مليون دولار إلى جامعات أمريكية بين عامي 2010 و2020.

ويرى مؤلفو الدراسة أن بعض هذه الأموال ساعد في تعزيز شرعية الحلول التي تطرحها الصناعة لمواجهة أزمة المناخ، وفي الوقت نفسه أضعف بعض المقاربات التنظيمية.

والأكثر حساسية، بحسب الدراسة، أن بعض اتفاقات التمويل منحت جهات خارجية نفوذًا على قرارات كانت تقليديًا ضمن صلاحيات أعضاء هيئة التدريس، بما في ذلك بعض القرارات المتعلقة بالتعيينات والمناهج الدراسية.

أكثر من 700 مليون دولار من شركات الوقود الأحفوري

تجربة ديفيد كوخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

وتستشهد الدراسة بحالة الملياردير الصناعي ديفيد كوخ، الذي جاءت ثروته من شركة Koch Industries، والذي قدم أكثر من 185 مليون دولار إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، جامعته السابقة، كما شغل عضوية مدى الحياة في أعلى هيئة حاكمة للمعهد.

ويشير هذا المثال، وفق مؤلفي الدراسة، إلى أن قضية التمويل الخارجي لا تتعلق فقط بحجم الأموال، وإنما أيضًا بالترتيبات التي قد ترافقها وبمدى تأثير المانحين في الحوكمة الأكاديمية.

في المقابل، سبق لـMIT أن دافع عن سياساته المتعلقة بالتبرعات والأوقاف المرتبطة بشركات الوقود الأحفوري، وقال إنه لا يعتزم سحب استثماراته من شركات الوقود الأحفوري، معتبرًا أن التعاون مع الصناعة يمكن أن يساعد في تطوير حلول لمواجهة تغير المناخ.

كما قالت مبادرة الطاقة في MIT إن الجهات الممولة لا تملك السيطرة على محتوى تقاريرها البحثية أو نتائجها.

من الجامعات إلى قوانين الولايات

ولا ترى الدراسة أن نفوذ المانحين بقي داخل المؤسسات الجامعية، بل تشير إلى انتقال بعض نماذج التأثير إلى التشريعات في الولايات الأمريكية.

ففي عام 2016، أنشأت الهيئة التشريعية في ولاية أريزونا أول مركز أكاديمي ليبرتاري ممول من المال العام، ثم اتبعت ولايات أخرى المسار نفسه.

ووفق الدراسة، تعمل هذه المراكز خارج السيطرة التقليدية لأعضاء هيئة التدريس، وتخضع بدرجة أكبر للمشرعين.

ومن المتوقع، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية نقلتها الدراسة، أن تحصل هذه المراكز على 50 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب خلال العام الدراسي 2025-2026.

أكثر من 150 مشروع قانون استهدف الحيازة الأكاديمية

أكثر من 150 مشروع قانون استهدف الحيازة الأكاديمية

وتشير الدراسة أيضًا إلى موجة تشريعات استهدفت صلاحيات أعضاء هيئة التدريس والجامعات.

فبين عامي 2021 و2023، طُرح أكثر من 150 مشروع قانون على مستوى الولايات استهدف الحيازة الأكاديمية «tenure»، أو حوكمة أعضاء هيئة التدريس، أو برامج التنوع والمساواة والشمول.

ويرى الباحثون أن هذه الإجراءات، إلى جانب الضغوط المالية والسياسية، أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الجامعات والجهات الخارجية التي تمولها أو تنظم عملها.

أزمة الثقة تمتد إلى الرسوم والديون الطلابية

ولا تفصل الدراسة بين هذه التطورات وبين أزمة أوسع في علاقة المجتمع الأمريكي بالتعليم العالي.

فارتفاع الرسوم الدراسية وتراكم ديون الطلاب، بحسب مؤلفي الدراسة، أسهما أيضًا في تراجع الثقة في مؤسسات التعليم العالي، ويربط الباحثون ذلك بما يعتبرونه توسعًا في النموذج المؤسسي القائم على المصالح التجارية.

ولتجاوز هذه الأزمة، يدعو مؤلفو الدراسة إدارات الجامعات إلى مواجهة تأثير المانحين من الشركات، والكشف بصورة أكثر وضوحًا عن التبرعات وشروطها وحجم تأثيرها، ومنح لجان أعضاء هيئة التدريس صلاحية رفض التمويل الذي يمكن أن يتعارض مع الرسالة العامة للجامعة أو يخلق تضاربًا في المصالح.

كما يرون أن عقود النقابات يمكن أن توفر حماية إضافية لأعضاء هيئة التدريس وتعزز قدرتهم على مواجهة ما يصفه الباحثون بـ«الاستحواذ المؤسسي» من جانب المصالح الخارجية.

نشطاء يرفعون لافتات ضد شركات النفط وتطالب بتمويل جديد للمناخ

الشفافية وحدها لا تكفي

ويرى هيلي أن الكشف عن اتفاقات التمويل يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يمنح أعضاء هيئة التدريس بالضرورة القدرة على منع الاتفاقات التي تهدد الاستقلال الأكاديمي.

ولهذا، يدعو إلى منح أعضاء هيئة التدريس سلطة مراجعة التبرعات الكبرى قبل قبولها، وإمكانية رفض التبرعات التي تمنح المانحين نفوذًا على التعيينات أو التدريس.

وتشير الدراسة إلى أن الجامعات ليست مضطرة إلى بناء هذه القواعد من الصفر، مستشهدة بحملة UnKoch My Campus التي نشرت نموذجًا لسياسة قبول الهبات يمنح أعضاء هيئة التدريس دورًا في مراجعة التبرعات المشروطة، ويفرض نشر اتفاقات المانحين، ويحدد أسبابًا واضحة لرفض التبرعات التي تمنح الجهات المانحة نفوذًا على التوظيف أو التدريس.

لماذا تمثل أبحاث المناخ ساحة حساسة؟

تكمن أهمية القضية بالنسبة لأبحاث المناخ تحديدًا في أن الجامعات تمثل أحد المصادر الرئيسية للأدلة العلمية التي تستند إليها السياسات العامة المتعلقة بالطاقة والانبعاثات والوقود الأحفوري.

وبالتالي، فإن الخلاف لا يدور فقط حول الجهة التي تدفع تكاليف البحث، وإنما حول من يملك القدرة على تحديد الأسئلة التي تُطرح، والموضوعات التي تحظى بالتمويل، والباحثين الذين يحصلون على فرص العمل، والبرامج التي تستمر أو تختفي.

وهنا تكمن الزاوية الأوسع للدراسة: فالتأثير على العلم قد لا يحتاج إلى تغيير نتائج بحث منشورة؛ إذ يمكن أن يبدأ في مرحلة أبكر بكثير، من خلال التأثير في اختيار موضوع البحث نفسه.

لماذا تمثل أبحاث المناخ ساحة حساسة؟

تحذير من مسار تاريخي أوسع

يحذر هيلي من أن تراجع شرعية الجامعات واستقلالها يمكن أن يسبق مراحل أكثر مركزية في السيطرة السياسية على التعليم العالي.

ويستند في ذلك إلى أمثلة دولية يرى أنها شهدت، بعد استهداف شرعية الجامعات، عمليات تطهير لأعضاء هيئة التدريس وإغلاقًا للحرم الجامعي وزيادة في السيطرة السياسية المركزية.

لكن هذه المقارنة تظل جزءًا من تفسير الباحثين وتحليلهم لمسار الأحداث، وليست نتيجة تجريبية تثبت أن التطورات الأمريكية ستقود بالضرورة إلى المسار نفسه.

وفي جوهرها، تطرح الدراسة سؤالًا يتجاوز إدارة ترامب وشركات الوقود الأحفوري: هل تستطيع الجامعات الحفاظ على استقلال البحث العلمي عندما يصبح التمويل الخارجي والسياسة العامة جزءًا من عملية تحديد أولوياتها؟

وبالنسبة لأبحاث المناخ والطاقة، تصبح الإجابة أكثر أهمية؛ لأن القرارات المتعلقة بالانبعاثات والطاقة والاستثمارات والتنظيمات تعتمد بدرجة كبيرة على الأدلة التي ينتجها الباحثون، وعلى قدرتهم على طرح الأسئلة العلمية دون خوف من خسارة التمويل أو التعرض لضغوط سياسية أو مؤسسية.

↑
Exit mobile version