سجلت أوروبا هذا الصيف مستوى قياسيًا من التعرض للإجهاد الحراري الشديد، بعدما واجه 52% من مساحة القارة هذه الظروف في فترات مختلفة، وهي أعلى نسبة تُسجل على الإطلاق، وفقًا لبيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي.
وتكشف البيانات عن اتساع نطاق المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة الشديدة في القارة، بالتزامن مع صيف كان الأكثر حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا، في مؤشر جديد على أن تغير المناخ يدفع موجات الحر الأوروبية إلى مستويات أكثر تطرفًا وتأثيرًا على صحة السكان والموارد الطبيعية.
52 % من أوروبا واجهت إجهادًا حراريًا شديدًا
قالت خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ إن 52% من القارة تعرضت هذا الصيف لمستويات “شديدة جدًا” من الإجهاد الحراري، وهي النسبة الأعلى منذ بدء تسجيل البيانات.
ويحدث الإجهاد الحراري عندما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب الرطوبة، إلى عجز جسم الإنسان عن تبريد نفسه بصورة كافية من خلال التعرق.
وتُعرّف كوبرنيكوس مستوى الإجهاد الحراري “الشديد جدًا” بأنه ظروف يشعر فيها الإنسان بدرجة حرارة تبلغ 38 درجة مئوية على الأقل.
ولا يمثل هذا المؤشر مجرد ارتفاع في درجة حرارة الهواء، وإنما يقيس التأثير الفعلي للحرارة والرطوبة على قدرة الجسم على تنظيم حرارته، وهو ما يجعله أكثر ارتباطًا بالمخاطر الصحية التي يواجهها السكان خلال موجات الحر.
أعراض قد تصل إلى ضربة الشمس
يمكن أن يؤدي الإجهاد الحراري إلى ارتفاع معدل ضربات القلب، والغثيان، والدوخة، وقد يتطور في الحالات الشديدة إلى ضربة الشمس، وهي حالة قد تهدد الحياة إذا لم يحصل المصاب على الرعاية اللازمة سريعًا.
وتزداد المخاطر بصورة خاصة على العاملين في الأماكن المفتوحة، وكبار السن، والأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية أو مرض السكري.
وتعني زيادة عدد الأيام التي تتعرض فيها مناطق واسعة من القارة لهذه الظروف أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية مؤقتة، بل أصبحت عاملًا متزايد الأهمية في تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بتغير المناخ.
غرب أوروبا يسجل صيفًا قياسيًا
شهدت مناطق غرب أوروبا هذا العام أكثر صيف حرارة منذ بدء تسجيل البيانات، كما تعرضت للإجهاد الحراري الشديد لمدة بلغت 13 يومًا.
ويأتي ذلك ضمن اتجاه مناخي أوسع تشهده القارة الأوروبية، التي ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع من بقية القارات، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
ويشير ذلك إلى أن أوروبا تواجه بصورة متزايدة مزيجًا من ارتفاع درجات الحرارة، وموجات الحر الطويلة، والجفاف، والضغوط المتزايدة على قطاعات الصحة والزراعة والمياه والطاقة.
الأنهار الأوروبية عند أدنى تدفقات منذ أكثر من 30 عامًا
لم تقتصر تداعيات الحرارة المرتفعة والجفاف على صحة الإنسان، إذ سجلت أنهار أوروبا خلال هذا الصيف أدنى مستويات لتدفقات المياه منذ أكثر من ثلاثة عقود، وفق خدمة كوبرنيكوس.
ويشكل انخفاض تدفقات الأنهار تهديدًا إضافيًا للموارد المائية، كما يمكن أن يؤثر في الزراعة والنقل النهري وإنتاج الطاقة، فضلًا عن النظم البيئية التي تعتمد على تدفق المياه بصورة منتظمة.
وهكذا تكشف موجات الحرارة والجفاف المتزامنة عن الطبيعة المتشابكة للأزمة المناخية، حيث يمكن لارتفاع درجات الحرارة أن يتحول في الوقت نفسه إلى أزمة صحية ومائية وبيئية واقتصادية.
أوروبا الأسرع احترارًا في العالم
تأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ الذي يسببه النشاط البشري، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
ويعني استمرار هذا الاتجاه أن التعرض لمستويات خطرة من الحرارة قد يصبح أكثر شيوعًا خلال السنوات المقبلة، ما يفرض على الحكومات الأوروبية تعزيز خطط التكيف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وتحولت الحرارة في أوروبا بذلك من مجرد مؤشر مناخي إلى اختبار مباشر لقدرة المدن والبنية التحتية وأنظمة الصحة والمياه على التكيف مع عالم أكثر سخونة.
