الأقمار الصناعية تكشف «نبض المدن» وترصد نمو الأحياء في الزمن الحقيقي

تقنية جديدة تراقب نبض المدن من الفضاء وتكشف تحولات العمران لحظة بلحظة

طور باحثون من جامعة كونيتيكت الأمريكية إطارًا علميًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «نبض المدن» (Urban Pulse)، يتيح مراقبة النشاط العمراني داخل المدن في الزمن شبه الحقيقي باستخدام صور الأقمار الصناعية عالية التردد، بما يشبه الطريقة التي يستخدم بها الأطباء تخطيط القلب الكهربائي (EKG) لرصد صحة الإنسان.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، حيث نجح الباحثون في قياس ما وصفوه بـ«التمثيل الغذائي الحضري» للمدن، أي النشاط العمراني المستمر الذي يعكس نمو الأحياء وتطورها وتغيرها بمرور الوقت.

وقال الدكتور جي تشو، مدير مختبر الاستشعار عن بُعد البيئي العالمي بجامعة كونيتيكت والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن الدراسات التقليدية كانت تركز على النتائج النهائية للتوسع العمراني مثل إنشاء المنازل أو توسعة الطرق، لكنها لم تكن قادرة على رصد الديناميكيات الداخلية التي تحدث داخل المدن أثناء عملية النمو.

ما هو «نبض المدن»؟

يعتمد مفهوم نبض المدن على قياس جميع الأنشطة الإنشائية داخل المدينة، بما في ذلك:

ويرى الباحثون، أن هذا المؤشر يمكن أن يتحول إلى أداة تشخيصية جديدة تساعد صناع القرار على اكتشاف المشكلات العمرانية مبكرًا قبل تفاقمها، بدلًا من التعامل معها بعد ظهور آثارها بشكل واضح.

تقنية جديدة تراقب نبض المدن من الفضاء

كيف يعمل النظام؟

اعتمد الفريق البحثي على عقود من البيانات المستمدة من مشروع NASA Harmonized Landsat and Sentinel-2 (HLS)، الذي يوفر صورًا فضائية عالية الدقة ومتكررة زمنيًا.

واستخدم الباحثون نموذجًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل السلاسل الزمنية يعرف باسم CAPES، ما أتاح قياس التحولات المادية التي تطرأ على الأحياء السكنية بدقة عالية، مثل البناء والتطوير والهدم.

ويتيح هذا النهج للمرة الأولى ربط النظريات الحضرية المجردة ببيانات واقعية يمكن قياسها ومتابعتها بصورة مستمرة من الفضاء.

ماذا كشفت المدن؟

شملت الدراسة ست مدن رئيسية هي:

ورغم الاختلافات الكبيرة بينها من حيث الجغرافيا والاقتصاد والسياسات، كشفت الدراسة عن ثلاث خصائص مشتركة تميز «نبض» المدن حول العالم:

1- النمو المتقطع والحاد

لا تنمو المدن بوتيرة ثابتة ومنتظمة، بل تمر بفترات قصيرة من النشاط العمراني المكثف تتخللها فترات هدوء نسبي.

تقنية جديدة تراقب نبض المدن من الفضاء

2- النمو الدوري

تشهد الأحياء دورات متكررة من الازدهار والتباطؤ العمراني، دون أن ترتبط بالضرورة بمواسم زمنية ثابتة أو أنماط سنوية متوقعة.

3- النمو غير المتزامن

لا تتحرك جميع أحياء المدينة بالإيقاع نفسه، بل يختلف توقيت النمو من منطقة إلى أخرى، وهو ما يساعد على تجنب الضغط المفرط على البنية التحتية وأسواق العمل.

رصد الصدمات والأزمات

أظهرت البيانات أيضًا قدرة النظام على تتبع تأثير الأزمات العالمية على النشاط العمراني، فعند تفشي جائحة COVID-19، سجلت المدن حول العالم ما وصفه الباحثون بحالة «توقف مفاجئ» في النشاط العمراني، حيث انخفضت وتيرة البناء والتطوير بشكل متزامن.

لكن الدراسة كشفت تفاوتًا كبيرًا في سرعة التعافي بين المدن المختلفة، فقد أظهرت مدينة شنتشن الصينية تراجعًا قصير الأمد أعقبه انتعاش سريع مدفوع بالسياسات الحكومية، بينما شهدت مدن مثل مومباي ومكسيكو سيتي تأثيرات أكثر هدوءًا واستمرارًا.

أداة للإنذار المبكر

يرى الباحثون، أن «نبض المدن» قد يتحول إلى نظام إنذار مبكر يساعد الحكومات على اكتشاف مؤشرات التدهور العمراني أو التوسع الحضري غير المستدام قبل تحولها إلى أزمات مزمنة.

كما يمكن أن يستفيد المواطنون ورواد الأعمال من هذه البيانات لتقييم حيوية الأحياء المختلفة قبل الانتقال إليها أو الاستثمار فيها.

وأكد الباحثون أن هذه التقنية قد تُحدث تحولًا كبيرًا في كيفية إدارة المدن واتخاذ القرارات المتعلقة بالتخطيط العمراني والتنمية المستدامة، عبر توفير صورة حية ومستمرة عن صحة المدن ونشاطها الاقتصادي والعمراني.

Exit mobile version