عندما ترتفع درجات الحرارة في الصيف، يفكر معظم الناس في العطش والإرهاق والتعرق وصعوبة النوم، لكن الحرارة الشديدة قد تفعل شيئًا آخر أقل وضوحًا: تجعل الجسم يشعر بالألم بصورة أكبر.
هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، فقد حلل باحثون تقارير يومية عن الشعور بالألم لدى أكثر من مليوني شخص بالغ في الولايات المتحدة، ووجدوا ارتباطًا واضحًا بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإحساس بآلام الجسم اليومية.
وكانت الزيادة الأكثر وضوحًا عندما وصلت درجات الحرارة إلى 32 درجة مئوية أو أكثر.
والأكثر إثارة أن تأثير الحرارة لا ينتهي بالضرورة بمجرد انحسار الموجة الحارة؛ إذ تشير النتائج إلى وجود ما يسمى بـ«التأثير المتأخر»، حيث يمكن أن يستمر الشعور بعدم الراحة والمضاعفات الصحية لعدة أيام بعد تراجع درجات الحرارة.
لكن لماذا يجعل الحر الجسم أكثر حساسية للألم؟
عندما يحاول الجسم تبريد نفسه، يعمل جسم الإنسان باستمرار على الحفاظ على درجة حرارة داخلية مستقرة، حتى عندما ترتفع حرارة البيئة المحيطة.
وفي الأجواء شديدة الحرارة، يضطر الجسم إلى بذل مجهود أكبر لتنظيم حرارته، بينما تتغير استجاباته العصبية والهرمونية والدورانية.
ومع استمرار التعرض للحرارة المرتفعة، قد يزداد الضغط الواقع على أجهزة الجسم، وتظهر استجابات التهابية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يعالج بها الجهاز العصبي إشارات الألم.
لكن هناك عاملًا آخر قد يكون أكثر أهمية مما يبدو: النوم.
ليلة حارة قد تجعل اليوم التالي أكثر ألمًا
حتى عندما لا يشعر الإنسان بأن الحرارة تؤذيه مباشرة، فإن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا قد يفسد النوم.
لكي يدخل الجسم في مراحل النوم العميق والمريح، يحتاج إلى خفض درجة حرارته الداخلية بدرجة معينة.
لكن عندما تكون الغرفة والبيئة المحيطة شديدة الحرارة، يصبح الوصول إلى هذا الانخفاض أكثر صعوبة.
والنتيجة قد تكون نومًا متقطعًا وأقل جودة، وهنا تبدأ الحلقة المفرغة.
فقد يؤدي قلة النوم إلى خفض عتبة الإحساس بالألم، ما يجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية للمؤثرات المؤلمة. وفي الوقت نفسه، يمكن للألم نفسه أن يزيد صعوبة النوم.
أي أن ليلة شديدة الحرارة قد لا تنتهي عندما تشرق الشمس؛ فقد يحمل الإنسان آثارها معه إلى اليوم التالي.
لماذا نشعر بالألم أكثر؟
يمكن تصور الأمر كأنه رفع مستوى صوت نظام الإنذار داخل الجسم.
عندما يكون النوم جيدًا، يستطيع الجهاز العصبي التعامل مع الإشارات الحسية بدرجة أكبر من التوازن.
أما عندما يتعرض الإنسان للحرارة الشديدة ويعاني اضطراب النوم، فقد تصبح إشارات الألم أكثر بروزًا.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تترافق الحرارة مع استجابات التهابية وإجهاد عام للجسم.
ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بأن آلامًا كانت موجودة أصلًا أصبحت أكثر وضوحًا خلال موجة الحر.
المفارقة الغريبة: الحرارة قد تخفف الألم أيضًا
وهنا تظهر مفارقة علمية لافتة، فإذا كانت الحرارة الشديدة تستطيع زيادة الألم على مستوى الجسم كله، فلماذا يستخدم الناس الكمادات الدافئة لتخفيف آلام العضلات؟
السبب أن الحرارة الموضعية ليست مثل موجة الحر.
فعندما توضع وسادة حرارية على منطقة مؤلمة، يمكن للحرارة المحلية أن تزيد تدفق الدم في المنطقة وتساعد على إرخاء الأنسجة العضلية.
أما التعرض الشامل لدرجات حرارة مرتفعة، فيضع الجسم كله أمام تحدي تنظيم حرارته، وقد يؤثر في النوم والجهاز العصبي والاستجابات الالتهابية.
بمعنى آخر: الحرارة التي نوجهها إلى عضلة مؤلمة قد تساعدها، بينما الحرارة التي تحاصر الجسم كله قد تزيد الإحساس بالألم.
من هم الأكثر تأثرًا؟
لم تكن الزيادة في الألم متساوية بين جميع الأشخاص.
وأشارت الدراسة إلى أن الأشخاص في منتصف العمر، وكذلك الأفراد الذين يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية أكثر صعوبة، سجلوا معدلات أعلى من الألم المرتبط بالحرارة.
وهذا يسلط الضوء على جانب آخر من المشكلة، فالقدرة على التعامل مع موجات الحر لا تعتمد على درجة الحرارة وحدها، وإنما قد تتأثر أيضًا بالظروف المعيشية، وجودة السكن، وإمكانية الوصول إلى التبريد والرعاية الصحية والراحة أثناء موجات الحر.
موجة الحر قد تكلف الاقتصاد أيضًا
الألم المرتبط بالحرارة ليس مشكلة صحية فردية فقط، فبحسب تقديرات الباحثين، تكلف الآثار المرتبطة بارتفاع الحرارة الولايات المتحدة نحو ملياري دولار سنويًا نتيجة فقدان الإنتاجية والنفقات الصحية.
ومع استمرار ارتفاع وتيرة موجات الحر وشدتها، يمكن أن ترتفع هذه الخسائر إلى أكثر من 9 مليارات دولار سنويًا بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات للتكيف.
وهنا تتحول كلمة «عدم الراحة» من وصف شخصي إلى قضية لها آثار صحية واقتصادية يمكن قياسها.
لماذا قد يستمر الألم بعد انتهاء الحر؟
من أكثر الجوانب إثارة في النتائج ما يعرف بـ«التأثير المتأخر»، فالجسم لا يعمل كآلة تتوقف آثار الحرارة فيها بمجرد انخفاض درجة الحرارة.
فإذا أدت موجة الحر إلى عدة ليالٍ من النوم السيئ، أو إجهاد حراري مستمر، فقد تستمر بعض التأثيرات حتى بعد تحسن الطقس.
ولهذا قد يشعر الشخص بأن جسمه ما زال مرهقًا أو مؤلمًا رغم أن درجة الحرارة عادت إلى مستويات أكثر اعتدالًا.
وتشير هذه الفكرة إلى أن تقييم تأثير موجات الحر يجب ألا يقتصر على سؤال: كم بلغت الحرارة اليوم؟
بل يجب أن يشمل أيضًا: كم يومًا استمرت؟ وكيف كانت درجات الحرارة ليلًا؟ وكيف أثرت في النوم والصحة؟
والحر قد يدفع الناس إلى خطر آخر
مع ارتفاع درجات الحرارة، يبحث الناس عن وسائل سريعة للهروب من الحر، ومن بينها الذهاب إلى الأنهار والبحيرات والبحار.
لكن هذا السلوك قد يحمل مخاطر إضافية إذا تم اللجوء إلى أماكن غير مراقبة.
وفي فرنسا، سجلت السلطات الصحية 925 حادثة غرق، بينها 274 حالة وفاة، خلال الفترة من الأول من مايو وحتى منتصف الصيف، في سياق سعي السكان إلى الاحتماء من الحرارة في المسطحات المائية.
وهكذا يمكن أن تتسع دائرة مخاطر موجة الحر من التعب والجفاف والألم إلى حوادث أكثر خطورة.
الصيف ليس مجرد شعور بالحر
لطالما تعامل البشر مع موجات الحر باعتبارها فترة من عدم الراحة المؤقتة.
لكن الأدلة العلمية ترسم صورة أكثر تعقيدًا، فالحرارة المرتفعة قد تؤثر في تنظيم حرارة الجسم، وتفسد النوم، وتزيد حساسية الجهاز العصبي للألم، وتفاقم الإجهاد البدني، وقد تترك آثارًا تمتد إلى ما بعد انتهاء الموجة الحارة.
والرسالة الأهم هنا ليست أن كل ألم في الصيف سببه الحرارة، بل أن الحر الشديد يمكن أن يكون عاملًا صحيًا مؤثرًا في الطريقة التي يشعر بها الجسم بالألم ويتعافى منه.
ففي أيام الصيف القاسية، لا يكون الجسم منشغلًا فقط بمحاولة تبريد نفسه، إنه يحاول في الوقت نفسه أن ينام، وينظم أعصابه، ويحافظ على توازنه الداخلي، ويتعامل مع الألم.
ولهذا قد يكون ما نعتبره مجرد «حر شديد» في الخارج، سلسلة من الضغوط البيولوجية تحدث في الداخل.
