تكشف دراسة مناخية حديثة أن الأمطار الصيفية فوق الهند وموجات ازدهار العوالق التي تدعم الثروة السمكية في بحر العرب لا تستجيب للمصدر نفسه من الطاقة الشمسية، رغم ارتباط الظاهرتين بما يعرف باسم الرياح الموسمية الصيفية لجنوب آسيا.
ففي الوقت الذي تتبع فيه أمطار شبه القارة الهندية التغيرات في ضوء الشمس خلال الصيف في نصف الكرة الشمالي، ترتبط حركة المياه الباردة الصاعدة قبالة السواحل العربية بالتغيرات في ضوء الشمس في نصف الكرة الجنوبي، مع دور محوري لجنوب أفريقيا في هذه العملية.
وظلت هذه المفارقة غير مفهومة بصورة كاملة لأكثر من 30 عامًا، قبل أن يحاول فريق من الباحثين تفسيرها من خلال الجمع بين سجلات المناخ القديمة ونماذج المحاكاة المناخية.
وأجرى البحث تشين وين، من جامعة نانجينج نورمال في الصين، بالتعاون مع تشنجيو ليو، أستاذ ديناميكيات المناخ في جامعة ولاية أوهايو ومدير برنامج علوم الغلاف الجوي بالجامعة.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، وقالت وين إن النتيجة كانت مفاجئة، لأن العلماء افترضوا لعقود أن الرياح الموسمية تعمل كنظام واحد ومتكامل.
سجلات الكهوف وقاع البحر تكشف المفارقة
اعتمد الباحثون على أدلة مناخية تمتد إلى نحو 150 ألف عام، بعضها محفوظ داخل الكهوف، والبعض الآخر في الرواسب الموجودة بقاع بحر العرب.
فالأمطار تترك سجلًا داخل الكهوف؛ إذ تتراكم طبقات الصواعد الحجرية مع مرور المياه داخل الكهوف، بينما يحمل الأكسجين الموجود في كل طبقة إشارات إلى شدة الأمطار الموسمية في الفترات السابقة.
وشملت الدراسة سجلات من كهوف «بيتو» في الهند، إلى جانب كهوف «تيانمن» و«شياوبيلونج» في الصين.
أما البحر، فيحتفظ بسجله المناخي داخل الرواسب الموجودة في قاع الجزء الغربي من بحر العرب، والتي تحتوي على مؤشرات متعددة لشدة الرياح الصيفية.
ومن بين هذه المؤشرات بقايا أصداف نوع من العوالق يعرف باسم Globigerina bulloides، والتي تزداد عندما تصعد المياه الباردة والغنية بالمغذيات إلى السطح، إضافة إلى حبيبات الغبار القادمة من صحاري الصومال وشبه الجزيرة العربية، والتي تصبح أكثر خشونة عندما تشتد الرياح.
وتعرف هذه العملية التي تصعد خلالها المياه الباردة من الأعماق إلى السطح باسم الرفع أو الصعود المائي (Upwelling).
وعند مقارنة السجلين على مدى 150 ألف عام، وجد الباحثون نتيجة لافتة: فترات الأمطار الموسمية الغزيرة فوق اليابسة ارتبطت بضعف عملية صعود المياه في بحر العرب.
ضوء الشمس يقسم الرياح الموسمية إلى نظامين
ترتبط الفكرة الأساسية بالدورة المدارية للأرض، التي تجعل توقيت الفصول يتغير ببطء بالنسبة إلى موقع الأرض في مدارها حول الشمس، فيما يعرف باسم الحركة التقدّمية لمحور الأرض أو المبادرة المدارية (Precession).
وبسبب هذه الدورة، يمكن أن يأتي الصيف في نصف الكرة الشمالي في فترة تكون فيها الأرض أقرب إلى الشمس، أو في فترة تكون فيها أبعد عنها.
وكان من الصعب تحديد أي من نصفي الكرة الأرضية يلعب الدور الأكبر؛ لأن تغير الإشعاع الشمسي لا يحدث في نصف كرة واحد بمعزل عن الآخر.
ولمعالجة هذه المشكلة، استخدم فريق الباحثين نموذجًا مناخيًا عالميًا طوره المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي في الولايات المتحدة، وأجرى مجموعة من المحاكاة التي تحاكي التغيرات المدارية للأرض عبر الفترات الزمنية محل الدراسة.
ثم أجرى الباحثون تجربتين إضافيتين، سمحوا خلالهما بتغير الإشعاع الشمسي في نصف كرة واحد فقط، مع تثبيته في النصف الآخر.
وكانت النتيجة واضحة: الأمطار اتبعت تأثير ضوء الشمس في نصف الكرة الشمالي، بينما اتبعت عملية صعود المياه الباردة تأثير ضوء الشمس في نصف الكرة الجنوبي.
كما أجرى الفريق محاكاة أخذت في الاعتبار تغير الصفائح الجليدية وتركيزات غازات الدفيئة، وظهرت النتيجة نفسها، ما يشير إلى أن الاختلاف لا يعود ببساطة إلى دورات العصور الجليدية، وإنما يرتبط بالتغير في الإشعاع الشمسي بين نصفي الكرة الأرضية.
كيف تؤثر جنوب أفريقيا في بحر العرب؟
يتمثل أحد أهم اكتشافات الدراسة في الدور الذي تلعبه جنوب أفريقيا في هذه المنظومة المناخية بعيدة المدى.
فعندما يأتي الصيف في نصف الكرة الشمالي في وقت تكون فيه الأرض أقرب إلى الشمس، لا تتركز الزيادة في الطاقة الشمسية على الشمال وحده، بل ترتفع درجات الحرارة أيضًا في المناطق المدارية وشبه المدارية من نصف الكرة الجنوبي.
وتبرز جنوب أفريقيا باعتبارها منطقة مهمة في هذه السلسلة من التأثيرات.
فعندما ترتفع حرارة اليابسة في جنوب أفريقيا، يصعد الهواء الدافئ إلى أعلى، وينخفض الضغط الجوي بالقرب من السطح، وتسقط الأمطار. كما يؤدي تكاثف بخار الماء إلى إطلاق مزيد من الحرارة في الغلاف الجوي.
وتنتقل آثار هذا التسخين عبر الغلاف الجوي إلى المحيط الهندي، لتؤثر في أنماط الرياح فوق بحر العرب.
وقالت وين إن ارتفاع حرارة جنوب أفريقيا يؤدي إلى نشوء منطقة من الهواء الصاعد في الغلاف الجوي، وهو ما يرسل موجات جوية إلى المحيط الهندي ويغير الرياح فوق بحر العرب، مؤكدة أن الرابط لا ينتقل عبر التيارات البحرية، وإنما عبر الغلاف الجوي نفسه.
رياح أضعف تعني مياه باردة أقل في بحر العرب
تعمل الرياح الجديدة القادمة من الشرق في الاتجاه المعاكس للرياح الموسمية الجنوبية الغربية.
وعندما تضعف الرياح الجنوبية الغربية، تصبح أقل قدرة على دفع المياه السطحية بعيدًا عن السواحل، وبالتالي تقل كمية المياه الباردة التي تصعد من الأعماق لتحل محلها.
وللتأكد من هذه السلسلة من التأثيرات، أنشأ الباحثون في نموذج جوي أبسط منطقة ساخنة اصطناعية فوق جنوب أفريقيا، من خلال تسخين سطح الأرض بنحو 5 درجات مئوية يوميًا.
وأظهرت المحاكاة ظهور رياح شرقية، بالتزامن مع تراجع عملية صعود المياه الباردة.
وفي المقابل، يؤدي تأثير ضوء الشمس في نصف الكرة الشمالي وحده إلى نتيجة مختلفة؛ إذ يؤدي ارتفاع حرارة أوراسيا إلى تقوية الرياح الجنوبية الغربية، ما يسمح بزيادة كل من الأمطار الموسمية وصعود المياه الباردة.
وبذلك يعمل كل نصف من الكرة الأرضية في اتجاه مختلف: ضوء الشمس في الشمال يؤثر بصورة أساسية في الأمطار، بينما يؤثر ضوء الشمس في الجنوب في صعود المياه في بحر العرب.
ارتفاع حرارة جنوب أفريقيا يهدد إنتاجية بحر العرب
تعد عملية صعود المياه الباردة أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل بحر العرب من أكثر المناطق الاستوائية إنتاجية في العالم.
فعندما تصل المياه الباردة من الأعماق إلى السطح، تحمل معها كميات كبيرة من المغذيات، ما يساعد على نمو العوالق النباتية، التي تمثل قاعدة أساسية في السلسلة الغذائية البحرية، ومن ثم تدعم الأسماك ومصايدها.
وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة إلى سكان شبه القارة الهندية، حيث تمثل المصايد البحرية مصدرًا مهمًا للبروتين والغذاء.
لكن الدراسة تشير إلى احتمال حدوث مفارقة مناخية خلال العقود المقبلة: قد تصبح الأمطار الموسمية فوق اليابسة أكثر غزارة، في الوقت الذي تتراجع فيه إمدادات المغذيات ونمو العوالق وإنتاجية بحر العرب.
وتتفق النماذج المناخية مع ثلاثة اتجاهات رئيسية خلال ما تبقى من القرن الحالي، هي زيادة الأمطار الموسمية فوق اليابسة، وارتفاع حرارة جنوب أفريقيا، وتراجع إمدادات المغذيات ونمو العوالق في بحر العرب.
وقالت وين إن زيادة قوة الرياح الموسمية فوق اليابسة لا تعني بالضرورة زيادة إنتاجية المحيط.
وأضافت أن تقييمات مستقبل الأمن الغذائي والمائي في جنوب آسيا تحتاج إلى التعامل مع اليابسة والمحيط باعتبارهما نظامين منفصلين، بدل النظر إليهما باعتبارهما نظامًا واحدًا.
توقعات مستقبل بحر العرب لا تزال غير محسومة
رغم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يؤكد الباحثون أن النموذج المناخي لا يتطابق مع السجلات المناخية القديمة في جميع التفاصيل.
وأرجع الفريق بعض الاختلافات إلى حدود النماذج المناخية، إضافة إلى عدم اليقين المرتبط بكيفية تفسير السجلات المناخية القديمة.
كما يمثل موقع استخراج عينات الرواسب من قاع البحر عاملًا مهمًا في تفسير النتائج.
وأوضح الباحثون أن منطقة صعود المياه الباردة قبالة سواحل سلطنة عُمان ضيقة بدرجة تجعل تمثيلها داخل النماذج المناخية أمرًا صعبًا، إذ قد تقع داخل خلية شبكية واحدة في النموذج، ولذلك يأتي جزء كبير من الإشارة المناخية في المحاكاة من تأثير الرياح فوق المياه المفتوحة.
كما حذر الفريق من ضرورة التعامل بحذر مع سجلات صعود المياه الباردة، لأن دلالتها يمكن أن تختلف باختلاف المقياس الزمني المستخدم في تحليلها.
وتقدم زاوية ميل محور الأرض مثالًا على ذلك؛ فعندما تتغير زاوية الميل، تتحرك الأمطار وصعود المياه الباردة في الاتجاه نفسه، ويصبح ضوء الشمس في نصف الكرة الشمالي العامل المؤثر في الظاهرتين، بينما يكون تأثير ضوء الشمس في نصف الكرة الجنوبي محدودًا.
فجوة في توقعات تأثير تغير المناخ
حتى الآن، لا توجد تقديرات دقيقة تحدد حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه زيادة حرارة جنوب أفريقيا في التراجع المتوقع لإنتاجية بحر العرب.
وفي معظم التوقعات المناخية، لا يزال تفسير تغير الرياح الموسمية يركز بدرجة كبيرة على العلاقة بين ارتفاع حرارة اليابسة الهندية والمياه المجاورة لها، مع إيلاء اهتمام أقل للتأثيرات القادمة من جنوب أفريقيا.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة تشير إلى ضرورة إدخال جنوب أفريقيا والتفاعلات الجوية بين نصفي الكرة الأرضية ضمن النماذج المستخدمة لتقييم مستقبل الرياح الموسمية وإنتاجية بحر العرب.
