من حافة الانقراض إلى التعافي.. النمور والتونة والسلاحف تمنح العالم «علم الأمل».. معركة جديدة لإنقاذ الطبيعة

58 تريليون دولار مهددة.. انهيار الطبيعة يتحول إلى خطر مباشر على الاقتصاد العالمي

أثبتت عودة النمور البرية والتونة زرقاء الزعانف والسلاحف البحرية الخضراء من حافة الانقراض أن تدهور الطبيعة ليس مسارًا حتميًا لا يمكن عكسه، إلا أن العلماء يحذرون في الوقت نفسه من أن إنقاذ التنوع البيولوجي على نطاق عالمي يتطلب تغييرًا جذريًا في الطريقة التي ينتج بها العالم غذاءه.

وكشف تقرير عالمي بارز، أعده الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، أن أعداد الحيوانات البرية التي خضعت للرصد تراجعت في المتوسط بنسبة 73% منذ عام 1970، في مؤشر على استمرار تدهور الطبيعة على نطاق ينذر بالخطر، دون مؤشرات واضحة على تباطؤ الخسائر.

وحلل التقرير نحو 36 ألف مجموعة حيوانية وأكثر من 5 آلاف نوع، ليشكل ما وصفه القائمون عليه بأنه أكبر قاعدة بيانات على الإطلاق للحياة البرية من الفقاريات.

النمور البرية

58 تريليون دولار تعتمد على الطبيعة

ولم تعد خسارة الطبيعة مجرد أزمة بيئية تهدد الحيوانات والنظم البيئية، إذ يحذر التقرير من تحولها إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والمياه والاستقرار الجيوسياسي ورفاه الإنسان.

ويعتمد نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بما يعادل قرابة 58 تريليون دولار في عام 2023، بدرجات مختلفة على الطبيعة والخدمات التي تقدمها النظم البيئية.

ويحذر معدو التقرير من أن انهيار الأنواع والتنوع البيولوجي بات يمثل تهديدًا وجوديًا للاستقرار الاقتصادي والأمن الجيوسياسي ورفاهية البشر.

أمريكا اللاتينية تسجل أكبر الخسائر

وأظهرت البيانات أن التراجع كان أكثر حدة في المناطق الاستوائية الغنية بالتنوع البيولوجي، بينما بدت الاتجاهات أكثر اعتدالًا في المناطق الشمالية ذات المناخ المعتدل.

وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تراجعت أعداد الحيوانات البرية وحيوانات المياه العذبة بنسبة متوسطة بلغت 95% بين عامي 1970 و2022.

وبلغ متوسط التراجع في إفريقيا نحو 80%، بينما سجلت أوروبا وآسيا الوسطى انخفاضًا قدره 23%.

وكانت الحياة البرية في المياه العذبة الأكثر تضررًا بين النظم البيئية الرئيسية، إذ انخفضت أعداد الحيوانات التي جرى رصدها في الأنهار والبحيرات بمتوسط 85%.

وفي المقابل، بلغ متوسط الانخفاض في الأنواع البرية نحو 69%، وفي الأنواع البحرية نحو 59%.

«نحن أمام مفترق طرق»

وقالت تانيا ستيل، الرئيسة التنفيذية للصندوق العالمي للطبيعة في المملكة المتحدة، إن فقدان الطبيعة لم يعد مجرد أزمة للحياة البرية، وإنما بدأ بالفعل في تحميل المجتمعات تكلفة متزايدة عبر تهديد الأمن الغذائي وإمدادات المياه والاقتصاد والقدرة على مواجهة الصدمات المناخية.

وأضافت أن العالم يقف أمام مفترق طرق، فإما الاستمرار في دفع التكلفة المتزايدة لفقدان الطبيعة، أو الاستثمار في استعادتها وبناء مستقبل يستطيع فيه البشر والحياة البرية الازدهار معًا.

النمور تعود من حافة الانقراض

ورغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير للتنوع البيولوجي العالمي، فإن بعض قصص النجاح تقدم دليلًا على إمكانية تغيير المسار.

ومن أبرز هذه النماذج النمور البرية، التي ارتفع عددها من نحو 3,200 نمر في عام 2010، عندما كانت الأنواع تتجه نحو خطر الانقراض، إلى نحو 5,700 نمر حاليًا، بزيادة تتجاوز 70%.

ويرجع هذا التعافي إلى تدخلات مستمرة وموجهة لحماية الأنواع، ما جعل عودة النمور واحدة من أبرز قصص النجاح في جهود الحفاظ على الحياة البرية.

وقالت بيتشي ماي، المسؤولة عن ملف النمور في الصندوق العالمي للطبيعة بالمملكة المتحدة، إن التعافي اللافت للنمور يمثل ما وصفته بـ**«علم الأمل»**، ويثبت أن التحرك في مجال المناخ والبيئة يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي.

التونة الزرقاء تتعافى بعد عقود من الصيد الجائر

ولم يقتصر التعافي على النمور، إذ أشار التقرير إلى تعافي تجمعات التونة زرقاء الزعانف في المحيطين الأطلسي والهادئ، بعد عقود من التراجع الحاد بسبب الصيد الجائر.

ووفق التقرير، وصلت أعداد التونة إلى مستوى لم تعد معه أي من التجمعات المعنية مصنفة حاليًا على أنها مهددة.

ويقدم هذا التعافي دليلًا آخر على أن الإدارة المستدامة للموارد البحرية، والحد من الضغوط البشرية، يمكن أن يغيرا اتجاهات تدهور الأنواع.

السلاحف البحرية الخضراء.. 50 عامًا من جهود الحماية

وتبرز السلحفاة البحرية الخضراء أيضًا كأحد النماذج المهمة لتعافي الطبيعة.

ففي العام الماضي، أصبحت السلحفاة البحرية الخضراء أول سلحفاة بحرية على الإطلاق يتم تخفيض تصنيفها من «مهددة بالانقراض» إلى «أقل إثارة للقلق» في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، بعد نحو 50 عامًا من جهود الحماية المنسقة في نحو 80 دولة.

وتوضح هذه التجربة أن العمل طويل الأمد والتعاون الدولي يمكن أن يحققا نتائج ملموسة حتى بالنسبة للأنواع التي واجهت ضغوطًا شديدة على مدى عقود.

سلحفاة بحرية خضراء قبالة سواحل ديمري، تركيا

حماية الأنواع وحدها لن تكفي

وقال الدكتور مايك باريت، كبير المستشارين العلميين للصندوق العالمي للطبيعة في المملكة المتحدة وأحد المشاركين في إعداد التقرير، إن هذه النماذج تثبت أن الطبيعة يمكنها التعافي حتى عندما تدفع إلى حافة الانهيار.

لكنه شدد على أن جهود الحفاظ على الأنواع وحدها لن تكون قادرة على مواجهة حجم التهديدات التي تتعرض لها الطبيعة.

وأوضح أن فرص تعافي الطبيعة ستتضاءل بشدة إذا تجاوز العالم ما وصفه بـ**«نقاط التحول السلبية»**، وهي تغيرات بيئية ذاتية التعزيز وغير قابلة للعكس، يمكن أن تؤدي إلى تسريع أزمة المناخ وتفاقم فقدان الطبيعة.

وأضاف أن الأنظمة التي تقود خسارة الطبيعة يجب أن تتغير، وفي مقدمتها الطاقة والغذاء والتمويل.

الطاقة قطعت نقطة التحول.. والغذاء هو المعركة الأصعب

ويرى العلماء أن قطاع الطاقة بدأ بالفعل في تجاوز ما يسمى «نقطة التحول الإيجابية»، مع الانتشار المتزايد للطاقة المتجددة.

وأوضح باريت أن التحول نحو الطاقة المتجددة أصبح مسارًا لا يمكن وقفه، رغم أنه لا يحدث بالسرعة الكافية المطلوبة.

لكن التحدي الأكبر، بحسب التقرير، يتمثل في نظام الغذاء العالمي.

وقال الدكتور ستيف سميث، الباحث في جامعة إكستر وأحد المشاركين في إعداد التقرير، إن أكبر فرصة لتعافي الطبيعة تتمثل في بناء نظام غذائي صحي ومستدام، إلا أن هذا القطاع لا يزال بعيدًا عن الوصول إلى نقطة تحول إيجابية.

الكائنات المائية العذبة على حافة الانقراض

الزراعة في قلب أزمة التنوع البيولوجي

وتعد الزراعة واحدة من أكبر مصادر الضغط على الطبيعة، إذ تمثل السبب الأكبر لفقدان وتدهور الموائل الطبيعية، كما تعد مصدرًا رئيسيًا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي تسهم في تفاقم تغير المناخ.

ويحذر التقرير من أن التوسع الزراعي مسؤول عن نحو 90% من إزالة الغابات على مستوى العالم.

وهذا يعني أن وقف فقدان التنوع البيولوجي لن يتحقق فقط عبر إنشاء المحميات الطبيعية أو مكافحة الصيد الجائر، بل يتطلب تحولًا عميقًا في طريقة إنتاج الغذاء واستخدام الأراضي وإدارة الموارد الطبيعية.

السلاحف البحرية

ما هي «نقاط التحول الإيجابية»؟

ويشير مفهوم نقاط التحول الإيجابية إلى المراحل التي تصل فيها تقنية أو ممارسة مستدامة إلى مستوى تصبح معه أكثر انخفاضًا في التكلفة، وأوسع انتشارًا، وأكثر قبولًا سياسيًا واجتماعيًا، بما يسمح باستمرار توسعها بصورة ذاتية.

ويرى العلماء أن الوصول إلى هذه النقطة في قطاع الغذاء يمكن أن يمثل تحولًا حاسمًا في مواجهة أزمة التنوع البيولوجي.

إنقاذ الطبيعة.. معركة اقتصادية أيضًا

وتكشف نتائج التقرير عن مفارقة شديدة الأهمية: العالم يشهد انهيارًا واسع النطاق في أعداد الحيوانات، لكنه يمتلك في الوقت نفسه أدلة علمية على إمكانية استعادة الطبيعة عندما تتوافر الإرادة والسياسات والاستثمارات المناسبة.

فعودة النمور والتونة والسلاحف لا تمثل مجرد قصص نجاح في حماية الحيوانات، وإنما تقدم نموذجًا لما يمكن تحقيقه عندما تتحول جهود الحفاظ على الطبيعة إلى سياسات طويلة الأجل.

الوقود الأحفوري وخطر الانقراض وتدهور التنوع البيولوجي

لكن نقل هذا النجاح من أنواع محددة إلى النظام البيئي العالمي بأكمله يتطلب معركة أكبر بكثير، تبدأ من تغيير نظم الطاقة والغذاء والتمويل، وفي مقدمتها التحول إلى زراعة ونظم غذائية أكثر استدامة.

وفي ظل اعتماد نحو 58 تريليون دولار من الاقتصاد العالمي على الطبيعة وخدماتها، فإن حماية التنوع البيولوجي لم تعد رفاهية بيئية، وإنما أصبحت استثمارًا مباشرًا في الأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاقتصادي والقدرة على مواجهة تغير المناخ.

↑
Exit mobile version