قد لا تحتاج المباني منخفضة الارتفاع إلى المزيد من الخرسانة أو الفولاذ لمقاومة رياح الأعاصير، بل ربما تحتاج إلى تغيير في شكلها.
فقد كشفت دراسة جديدة، أن استخدام أسطح متموجة بدلًا من الجدران والأسقف المسطحة التقليدية يمكن أن يخفض ذروة ضغط الرياح على أجزاء حساسة من المبنى بنسبة تراوحت بين 40% و60% في تجارب نفق الرياح.
ويقدم هذا النهج احتمالًا جديدًا لتعزيز قدرة المباني على مقاومة الرياح الشديدة، من خلال تعديل الهندسة والشكل بدل الاعتماد فقط على زيادة سماكة الجدران أو استخدام مواد أكثر تكلفة.
نُشرت الدراسة في دورية Engineering Structures، وأجرى الدراسة فريق بحثي بقيادة جامعة ولاية فلوريدا الأمريكية (FSU)، بهدف مساعدة المهندسين والمعماريين على تطوير تصاميم أكثر قدرة على مواجهة الرياح المصاحبة للأعاصير.
عندما يصبح شكل المبنى وسيلة للحماية
يقول الباحث المشارك في الدراسة، بيدرو فرنانديز-كابان، من جامعة ولاية فلوريدا، إن تغيير شكل المبنى يمكن أن يقلل بصورة كبيرة شدة قوى الرياح التي يتعين عليه تحملها.
وأشار إلى أن الأشكال غير التقليدية للمباني يمكن أن تقلل الأضرار المحتملة في أسوأ سيناريوهات الطقس العنيف، لتصبح أداة إضافية أمام المهندسين والمصممين في مواجهة أضرار الرياح.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في المناطق المعرضة للأعاصير؛ فتصميم المباني هناك لا يعتمد على الظروف الجوية المعتادة، وإنما يأخذ في الاعتبار أشد هبات الرياح التي قد تتعرض لها المنشأة خلال عمرها.
نماذج صغيرة داخل نفق للرياح
لاختبار الفكرة، صنع الباحثون نماذج ثلاثية الأبعاد لمبانٍ منخفضة الارتفاع باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
وبدلًا من الجدران والأسقف المسطحة، صُممت النماذج بأسطح ذات تموجات تشبه سلسلة من المرتفعات والمنخفضات.
واختبر الفريق ارتفاعات مختلفة لهذه التموجات تراوحت بين 5% و10% من ارتفاع المبنى، ثم قارن أداء هذه النماذج بتصميم تقليدي ذي أسطح مسطحة.
بعد ذلك وُضعت النماذج داخل نفق للرياح، حيث قاس الباحثون ضغط الرياح على مناطق مختلفة من أسطح المباني، مع تغيير اتجاه الرياح لمعرفة مدى تأثير ذلك في توزيع الضغوط.
وأظهرت النتائج أن التموجات الأعمق كانت الأكثر فاعلية، إذ خفضت ذروة ضغط الرياح بنسبة تراوحت بين 40% و60% بالقرب من زوايا الأسقف والجدران.
ولم تقتصر النتيجة على اتجاه واحد للرياح، بل استمر تأثير التصميم عبر عدة اتجاهات، وهي نقطة مهمة عند التفكير في تطبيق الفكرة على مبانٍ حقيقية تواجه رياحًا متغيرة أثناء العواصف والأعاصير.
لماذا تمثل زوايا المبنى نقطة ضعف؟
لفهم أهمية النتيجة، يجب النظر إلى الطريقة التي تتفاعل بها الرياح مع المباني.
عندما يتحرك الهواء بسرعة فوق سطح من الأسطح، يمكن أن تتشكل مناطق منخفضة الضغط. وفي المقابل، يمكن للضغط الأعلى أسفل السطح أو داخله أن يولد قوة تدفع أجزاء من المبنى نحو منطقة الضغط المنخفض.
وتتركز أقوى التأثيرات عادةً عند الحواف والزوايا، خصوصًا زوايا الأسقف، حيث يمكن أن تتشكل دوامات هوائية قوية تؤدي إلى زيادة القوى المؤثرة في الغلاف الخارجي للمبنى.
وتُعد هذه المناطق من أكثر الأجزاء عرضة للإجهاد أثناء الرياح الشديدة، ولذلك فإن خفض الضغط عندها قد يمثل عاملًا مهمًا في تحسين قدرة المبنى على تحمل العواصف.
التموجات تعيد تشكيل حركة الهواء
يرى الباحثون أن الأسطح المنحنية أو المتموجة يمكن أن تعطل الطريقة التي تتشكل بها مناطق الضغط المنخفض والدوامات القوية فوق المبنى.
فعوضًا عن انسياب الرياح بصورة أكثر انتظامًا فوق سطح مستوٍ أو سقف مائل، تواجه الرياح سلسلة من الانحناءات والمرتفعات والمنخفضات التي تغير مسار تدفق الهواء.
وتؤدي هذه التغيرات إلى تفكيك بعض مناطق الضغط القوي والحد من تركّز قوى الشفط التي يمكن أن تتشكل عند الحواف والزوايا.
وبعبارة أخرى، لا يحاول التصميم المتموج مقاومة الرياح بقوة أكبر فقط، وإنما يحاول تغيير الطريقة التي تتفاعل بها الرياح مع المبنى من الأساس.
بديل هندسي عن زيادة المواد؟
يمتلك المهندسون بالفعل عددًا من الوسائل لتقليل الأحمال الناتجة عن الرياح، من بينها تدوير الزوايا، واستخدام الجدران المائلة، وإضافة التراجعات في تصميم المبنى، إلى جانب زيادة سماكة الجدران أو استخدام مواد أكثر مقاومة.
لكن هذه الحلول قد تكون مكلفة، كما أن تطبيق بعضها على المباني القائمة قد يكون صعبًا أو غير عملي.
ومن هنا تبرز أهمية التصميم المتموج؛ إذ يمكن أن يوفر أداة هندسية إضافية لتقليل تأثير الرياح من خلال هندسة الغلاف الخارجي للمبنى، بدل الاعتماد فقط على زيادة كمية المواد المستخدمة في البناء.
ولا يعني ذلك أن تغيير الشكل يمكن أن يحل محل جميع إجراءات السلامة الإنشائية، وإنما يشير إلى إمكانية دمجه ضمن مجموعة من الحلول التي تهدف إلى تعزيز مقاومة المباني للرياح الشديدة.
تطبيقات تتجاوز المباني
لا تقتصر أهمية النتائج على هندسة المنشآت وحدها، إذ ترتبط الظواهر التي درسها الباحثون بمبادئ أساسية في ديناميكا الموائع والدوامات وتدفق الهواء المضطرب.
وهذه المبادئ يمكن أن تكون مفيدة في مجالات أخرى، مثل هندسة الطيران، والعلوم البيئية، ودراسة حركة الموائع والمياه.
وأوضح فرنانديز-كابان أن فهم ديناميكا الموائع يمكن أن ينتقل بين مجالات هندسية وعلمية مختلفة، حتى عندما تختلف طبيعة الوسط المدروس بين الهواء والماء.
وأشار إلى أن تحسين الخصائص الديناميكية الهوائية يتطلب نهجًا متعدد التخصصات يوازن بين السلامة الإنشائية، والمرونة، وكفاءة استخدام المواد، والأداء.
الدراسة لم تختبر مباني حقيقية بعد
ورغم النتائج اللافتة، فإن الدراسة لا تعني أن المباني ذات الأسطح المتموجة أصبحت حلًا جاهزًا لمواجهة الأعاصير.
فالتجارب الحالية ركزت على ضغط الرياح المؤثر في أسطح نماذج مصغرة داخل نفق للرياح، ولم تختبر بعد جميع الجوانب المتعلقة بسلوك مبنى حقيقي أثناء إعصار.
ويعمل الفريق حاليًا على إجراء تجارب إضافية لفهم الطريقة التي يتغير بها تدفق الهواء حول هذه الأغلفة المتموجة للمباني، وهو ما يمكن أن يكشف بصورة أكثر دقة كيف تعيد التموجات تشكيل حركة الهواء.
كما يخطط الباحثون لاستخدام نمذجة ديناميكا الموائع الحسابية (CFD)، التي ستتيح لهم تحسين أنماط التموج وتجربة أشكال أخرى لم تخضع للاختبار داخل نفق الرياح.
وقد تساعد هذه المرحلة على تحديد أفضل الأشكال الهندسية، ومعرفة مدى إمكانية ترجمة الانخفاض في ضغط الرياح الذي ظهر في النماذج المختبرية إلى تصميمات إنشائية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
