من الألغام إلى الحرب الإلكترونية.. هكذا تتحكم الدول في شرايين التجارة العالمية

إغلاق المضائق.. سلاح جيوسياسي يهدد الاقتصاد العالمي.. قانون البحار في اختبار القوة.

لم يعد إغلاق المضائق البحرية مجرد سيناريو عسكري تقليدي، بل تحول إلى أداة جيوسياسية معقدة تستخدمها الدول لفرض النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، في وقت تمثل فيه هذه الممرات شرايين حيوية يمر عبرها جانب كبير من تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

وتلجأ الدول إلى مزيج متكامل من الأدوات لإغلاق المضائق أو تعطيلها، يتراوح بين القوة العسكرية المباشرة والضغوط القانونية والاقتصادية، وصولًا إلى أساليب “الحرب الرمادية” التي تخلق إغلاقًا فعليًا دون إعلان رسمي.

على المستوى العسكري، يعد زرع الألغام البحرية أحد أخطر الوسائل، إذ يمكنه تعطيل الملاحة بالكامل دون وجود عسكري كثيف، كما تُستخدم الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة لفرض مناطق حظر غير معلنة.

فرقاطة من قوة أسبيدس الأوروبية ترافق سفينة تعبر مضيق باب المندب

كذلك تلجأ بعض الدول إلى نشر الأساطيل البحرية والتحصينات الساحلية، أو اعتراض السفن واحتجازها، لفرض سيطرة مباشرة على الممرات.

أدوات أكثر تعقيدًا

أما على الصعيد القانوني والتنظيمي، فتستخدم الدول أدوات أكثر تعقيدًا، مثل فرض تراخيص لعبور السفن، أو إعلان المضيق منطقة عسكرية، أو إعادة توصيفه كمياه داخلية، بما يسمح بفرض قيود على المرور.

وفي حالات أخرى، يتم توظيف الغموض في القانون الدولي لتبرير تقييد الملاحة تحت ذرائع أمنية.

سفينة حاويات ضخمة تعبر قناة السويس

اقتصاديًا، قد يتحقق الإغلاق دون إطلاق رصاصة واحدة، من خلال رفع أقساط التأمين إلى مستويات مرتفعة أو سحب التغطية التأمينية بالكامل، ما يدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور، وهو ما يؤدي فعليًا إلى شل الحركة في المضيق.

الحرب الناعمة

وتبرز أيضًا أدوات “الحرب الناعمة”، مثل استهداف سفن بعينها بشكل انتقائي، أو التشويش على أنظمة الملاحة، أو استخدام قوات شبه عسكرية لفرض أمر واقع بحري، وهي وسائل تمنح الدول قدرة على الضغط دون الدخول في مواجهة مباشرة.

في المقابل، يضع القانون الدولي إطارًا نظريًا لضمان حرية الملاحة، من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أرست مبدأ “المرور العابر” في المضائق الدولية، بما يضمن عبور السفن والطائرات دون عوائق بين البحار المفتوحة والمناطق الاقتصادية الخالصة.

مضيق البسفور التركي كما يبدو من قصر توبكابي بإسطنبول

المرور البريء

لكن هذا المبدأ يقابله مفهوم “المرور البريء”، الذي يمنح الدول الساحلية حق تنظيم المرور داخل مياهها الإقليمية، بل وتعليقه لأسباب أمنية، وهو ما يفتح الباب لتفسيرات متباينة واستغلال سياسي في أوقات الأزمات.

ورغم أن القضاء الدولي، كما في قضية قضية مضيق كورفو، أكد عدم جواز تعطيل المرور البريء في المضائق الدولية زمن السلم، فإن الواقع العملي يكشف أن ميزان القوة غالبًا ما يتقدم على النصوص القانونية.

وتتجاوز تداعيات إغلاق المضائق حدود الجغرافيا، إذ تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل التوريد، ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبقى المضائق البحرية نقاط اشتعال دائمة في النظام الدولي، حيث يتقاطع القانون مع القوة، وتتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط قادرة على إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

زورقان للحرس الثوري الإيراني قرب السفينة الأمريكية ماوي أثناء عبورها مضيق هرمز رفقة سفن أمريكية

تداعيات إغلاق المضائق  

تُحدث قرارات إغلاق المضائق أو شلّ الحركة فيها تداعيات فورية وكبيرة تمسّ معظم سلاسل التوريد العالمية، فتُضطر السفن إلى تغيير طرقها، وهو ما يؤدي غالبا إلى ارتفاع كلفة النقل ورسوم التأمين وزيادة مدة الرحلة، فضلا عما يرافق ذلك من مخاطر وتكاليف إضافية.

فمثلاً يؤدي تغيير رحلة بحرية ما من البحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح في زيادة المدة بما يصل إلى 10-15 يوما، وهو ما يستهلك كميات أكبر بكثير من الوقود، ويترافق مع ذلك ارتفاع كلفة تأمين الرحلة، بما يرتفع تكاليف النقل البحري إجمالا بنسبة وصلت إلى 130% خلال أزمة البحر الأحمر.

صيادون يمنيون يمرون بجانب سفينة تجارية في مضيق باب المندب

وتتأثر بهذا الاضطراب أيضا عمليات التصنيع القائمة على التدفق المستمر للمكونات، وهو ما يؤدي إلى اختلال شبكة التجارة العالمية، ومعها نسب التضخم واحتمالية حدوث ركود اقتصادي عالمي، كما يمتد أثر ذلك إلى جوانب حساسة مثل استنزاف المخزونات الاستراتيجية للدول.

لذلك، تحرص الدول دائما على صون حرية الملاحة في المضائق الحساسة بشتى الطرق، منها مثلا نزع الألغام التي زرعتها الدول في المضائق، وهي عملية تتطلب وقتا طويلا مقارنة بزرع الألغام نفسها، ويزيد الأمر تعقيدا مع وجود استهداف أو حصار على المضيق.

وأحيانا تضطر الدول إلى إرسال أساطيل بحرية لمرافقة السفن التجارية، وهو ما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى احتمال حدوثه في سياق الحرب الإسرائيل الأمريكية الإيرانية في مارس/آذار 2026، وقد سبق للبحرية الأمريكية أن نفذت ذلك عامي 1987 و1988، أثناء ما عُرف بحرب الناقلات.

كما تعقد الدول تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لحماية طرق الملاحة، منها تحالف “حارس الازدهار” المتعدد الجنسيات الذي تأسس نهاية 2023 بمبادرة من الولايات المتحدة، بهدف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر، واعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ، بل وتنفيذ ضربات جوية استباقية أحيانا.

Exit mobile version