من إثيوبيا إلى البرازيل.. أزمة مناخية تهدد القهوة عالميًا

الحرارة الشديدة تحجم زراعة البن وتدفع أسعار القهوة لمستويات قياسية ويهدد سبل عيش الملايين

تواجه صناعة القهوة العالمية اختبارًا مناخيًا قاسيًا، بعد أن كشف تحليل حديث أن الدول المنتجة للبن أصبحت أكثر سخونة من أن تدعم زراعته بالوتيرة نفسها، في ظل تصاعد موجات الحر المرتبطة بأزمة المناخ.

التحليل الصادر عن مؤسسة Climate Central أظهر أن أكبر خمس دول منتجة للقهوة – والمسؤولة عن 75% من الإمدادات العالمية – سجلت في المتوسط 57 يومًا إضافيًا سنويًا تتجاوز فيها درجات الحرارة 30 درجة مئوية، وهو الحد الذي تبدأ عنده أشجار البن، خصوصًا صنف الأرابيكا عالي الجودة، في المعاناة.

«حزام البن» تحت الضغط

تُزرع القهوة في نطاق جغرافي يُعرف بـ«حزام البن» بين مداري السرطان والجدي، حيث تتوافر درجات حرارة وهطول أمطار ملائمة. إلا أن ارتفاع الحرارة يخل بهذا التوازن الدقيق، ما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحصول وجودته.

وتُعد Ethiopia، مهد القهوة عالميًا، من أكثر الدول تأثرًا. إذ يعتمد أكثر من 4 ملايين أسرة فيها على البن كمصدر دخل رئيسي، ويسهم المحصول بنحو ثلث عائدات التصدير، ووفق التحليل، سجلت البلاد 34 يومًا إضافيًا سنويًا من الحرارة الضارة بالمحصول.

دول إنتاج القهوة سجلت 57 يومًا إضافيًا من الحر الضار سنويًا

تفاوت التأثير بين الدول المنتجة

كانت El Salvador الأكثر تضررًا، مع 99 يومًا إضافيًا من الحر فوق العتبة الحرجة، تلتها Brazil – أكبر منتج عالمي للقهوة بحصة تبلغ 37% من الإنتاج – مع 70 يومًا إضافيًا.

ويعني ذلك أن موجات الحر لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من النمط المناخي الجديد في مناطق الإنتاج، ما يهدد بتقليص المساحات الصالحة للزراعة أو دفعها إلى ارتفاعات أعلى بحثًا عن درجات حرارة أكثر اعتدالًا.

انعكاسات اقتصادية عالمية

يُستهلك نحو ملياري كوب قهوة يوميًا حول العالم، لكن الصناعة تواجه ضغوطًا متزايدة. ووفق بيانات World Bank، تضاعفت تقريبًا أسعار حبوب الأرابيكا والروبوستا بين 2023 و2025، وبلغت مستويات قياسية في فبراير 2025، نتيجة اضطرابات المناخ وتراجع الإنتاج.

تراجع الإمدادات لا يهدد فقط الأسواق العالمية، بل يضرب سبل عيش صغار المزارعين، الذين ينتجون ما بين 60% و80% من القهوة عالميًا، بينما حصلوا على 0.36% فقط من تمويل التكيف المناخي المطلوب عام 2021، بحسب دراسات سابقة.

زراعة البن

تحديات التكيف وحدود الحلول

يشير منتجو القهوة في إثيوبيا إلى أن صنف الأرابيكا شديد الحساسية لأشعة الشمس المباشرة، وأن نقص الظل يزيد من تعرض الأشجار للأمراض ويقلل عدد الحبوب المنتجة. وتبذل بعض التعاونيات جهودًا للحد من إزالة الغابات التي توفر مظلات طبيعية للمزارع، إضافة إلى توزيع مواقد موفرة للطاقة لتقليل الضغط على الغطاء النباتي.

لكن خبراء يؤكدون أن إجراءات المزارعين الفردية لن تكون كافية دون تحرك حكومي ودولي أوسع لخفض الانبعاثات وتوفير تمويل مناخي عادل لدعم المجتمعات الزراعية.

مستقبل القهوة في عالم أكثر حرارة

تكشف البيانات أن استمرار الاحترار العالمي قد يحوّل القهوة من محصول مستقر نسبيًا إلى سلعة شديدة التقلب، ما ينعكس على الأسعار، وسلاسل الإمداد، والأمن الاقتصادي لملايين الأسر في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا.

وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال ما إذا كانت القهوة ستتأثر بتغير المناخ، بل إلى أي مدى يمكن إنقاذ «حزام البن» قبل أن تضيق حدوده أكثر، وتصبح القهوة سلعة أقل وفرة وأكثر كلفة في الأسواق العالمية.

Exit mobile version