لم تعد عوادم السيارات المصدر الوحيد الذي ينبغي أن تركز عليه المدن للحد من تلوث الهواء؛ إذ تكشف دراسة علمية أن منتجات منزلية تُستخدم يوميًا، مثل بخاخات الشعر والدهانات والمنظفات والمطهرات، يمكن أن تصبح من المصادر المهمة للانبعاثات الكيميائية خلال فصل الصيف، مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تطاير المركبات التي تحتوي عليها.
وتشير النتائج إلى أن نماذج جودة الهواء المستخدمة في بعض المدن والولايات قد لا ترصد هذه الانبعاثات بدقة كافية، خصوصًا في الطقس الحار وموجات الحر، وهو ما قد يؤدي إلى التقليل من تقدير بعض مصادر التلوث، ومن ثم التأثير في فعالية السياسات والإجراءات المتخذة لمواجهته.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة ولاية كولورادو وجامعة مينيسوتا وجامعة بوردو في الولايات المتحدة، ونُشرت نتائجها في دورية Science Advances.
تراجع انبعاثات السيارات يغيّر خريطة التلوث
على مدى عقود، شكّلت عوادم المركبات أحد أبرز مصادر تلوث الهواء في المدن، لكن تشديد معايير الانبعاثات وتطور تقنيات المحركات أسهما في جعل السيارات أنظف، ما أدى إلى تراجع الانبعاثات المرورية وزيادة الأهمية النسبية لمصادر تلوث أخرى لم تحظَ بالقدر نفسه من الدراسة.
وقال ديلان ميليه، أستاذ كيمياء الغلاف الجوي بجامعة مينيسوتا وأحد المشاركين في الدراسة، إن تحسن أداء المركبات من حيث الانبعاثات يجعل مصادر أخرى أقل دراسة أكثر أهمية في فهم تلوث الهواء الحضري.
وأوضح أن كثيرًا من هذه المصادر تزداد انبعاثاتها مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يعني احتمال تصاعد مساهمتها خلال موجات الحر ومع استمرار ارتفاع حرارة المناخ.
وتكمن المشكلة في أن أدوات نمذجة جودة الهواء لا تزال تعتمد، في بعض الحالات، على تصورات لا تعكس التحول الجاري في مصادر التلوث، وقد لا تقدّر بصورة صحيحة حجم الانبعاثات الناتجة عن المنتجات الكيميائية والمواد المستخدمة في المنازل والمباني، خاصة خلال الصيف.
برج اتصالات يكشف ما تطلقه المدينة في الهواء
لرصد الانبعاثات الفعلية، نصب الباحثون أجهزة استشعار على برج اتصالات في مدينة مينولا بجزيرة لونج آيلاند في ولاية نيويورك، وجمعوا القياسات خلال صيف عام 2023 وشتاء عام 2024.
واستخدم الفريق تقنية علمية تُعرف باسم «التغاير الدوامي»، تجمع بين القياسات الكيميائية للهواء وبيانات حركة الرياح، لتقدير كمية الملوثات المنبعثة من سطح المنطقة المحيطة ومصادرها.
وتتيح هذه الطريقة قياس تدفقات المواد الكيميائية في البيئة الحضرية بصورة مباشرة نسبيًا، لكنها تتطلب معدات متخصصة وتركيبها على ارتفاع مناسب فوق أسطح المباني المحيطة.
وقال مايكل فيرموييل، الباحث الرئيسي في الدراسة والأستاذ المساعد بجامعة بوردو، إن الجمع بين الرصد الكيميائي التفصيلي وقياسات الرياح مكّن الفريق من تحديد الملوثات التي تنبعث فعليًا من المنطقة الحضرية، ورصد اختلاف البصمة الكيميائية للهواء بين الصيف والشتاء.
انبعاثات الصيف أعلى بما يصل إلى أربعة أضعاف
أظهرت القياسات اختلافًا واضحًا بين الفصلين. ففي الشتاء، كانت حركة المرور المصدر المهيمن، إذ أسهمت عوادم المركبات بنحو نصف إجمالي انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة التي رصدتها الدراسة.
أما في الصيف، فقد اكتشف الباحثون في الهواء عددًا من المركبات يزيد بنحو الضعف مقارنة بالشتاء، بينما ارتفعت إجمالي تدفقات المركبات العضوية المتطايرة المقاسة إلى ما بين ضعفين وأربعة أضعاف مستويات الشتاء.
ولم تكن السيارات المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع؛ بل برزت المنتجات الكيميائية المتطايرة، وهي فئة تضم مواد تطلق غازات إلى الهواء أثناء استخدامها أو تبخرها، مثل مستحضرات العناية الشخصية والدهانات والمذيبات ومواد التنظيف.
كما رصد الباحثون مساهمات من النباتات والمواد المستخدمة في المباني والمنازل.
وقالت دلفين فارمر، أستاذة الكيمياء بجامعة ولاية كولورادو والمشاركة في قيادة البحث، إن المنتجات الكيميائية المتطايرة ومواد البناء نفسها شكّلت مصادر مهمة للانبعاثات الصيفية، مشيرة إلى أن هذه المصادر لا تُمثّل بدقة كافية في النماذج الحالية المستخدمة للتنبؤ بأحداث تلوث الهواء والحد منها.
ومن بين المركبات التي لفتت الانتباه الإيثانول، الذي شكّل نحو 25% من إجمالي تدفق الانبعاثات الصيفية المقاس في موقع الدراسة.
ويوجد الإيثانول في معقمات اليدين ومنتجات التنظيف والعديد من المنتجات اليومية الأخرى.
ولا تعني هذه النسبة أن الإيثانول شكّل ربع تلوث الهواء كله، بل ربع إجمالي تدفق المركبات العضوية المتطايرة الذي قاسه الباحثون خلال الصيف في موقع الرصد.
كيف يحوّل ارتفاع الحرارة المنتجات اليومية إلى مصدر للتلوث؟
تتمثل إحدى أهم نتائج الدراسة في الدور الذي تؤديه درجة الحرارة في زيادة الانبعاثات.
فمع ارتفاع الحرارة، تتبخر مركبات كيميائية كثيرة بسرعة أكبر، وتنتقل إلى الهواء بكميات أكبر.
وتشمل هذه المركبات مواد موجودة في بخاخات الشعر ومستحضرات العناية الشخصية والدهانات ومخففات الطلاء والمنظفات وغيرها من المنتجات الشائعة.
وتكتسب هذه الانبعاثات أهمية إضافية لأن المركبات العضوية المتطايرة يمكن أن تتفاعل مع ملوثات أخرى في وجود أشعة الشمس، لتسهم في تكوين الأوزون القريب من سطح الأرض، وهو أحد المكونات الرئيسية للضباب الدخاني، وليس الأوزون الموجود في طبقات الجو العليا الذي يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية.
وبالتالي، لا يقتصر تأثير ارتفاع الحرارة على زيادة الشعور بالإجهاد الحراري؛ فقد يؤدي أيضًا إلى تعزيز انبعاث بعض المركبات التي تسهم في تدهور جودة الهواء.
ومع تزايد موجات الحر في عالم يزداد دفئًا، يمكن أن تتعاظم أهمية هذه المصادر التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في بعض أنظمة رصد التلوث وتقديره.
نماذج جودة الهواء تحتاج إلى مراجعة
لم تقتصر الدراسة على رصد الانبعاثات، بل قارنت النتائج أيضًا بتقديرات جرد محدث لانبعاثات المركبات العضوية المتطايرة.
وأظهرت المقارنة أن التقديرات المحدثة اقتربت من القياسات الصيفية بفارق بلغ نحو 40%، بينما بالغ النموذج نفسه في تقدير الانبعاثات الشتوية بأكثر من 2.5 مرة.
ورصد الباحثون أن النموذج بالغ في تقدير انبعاثات المنتجات الكيميائية المتطايرة والانبعاثات الناتجة عن الطهي خلال الشتاء، في الوقت الذي لم يعكس فيه بصورة كافية تأثير درجة الحرارة في الانبعاثات.
وتساعد قوائم جرد الانبعاثات ونماذج جودة الهواء الجهات المعنية على تحديد مصادر التلوث، والتنبؤ بتغيراته، وتصميم اللوائح والإجراءات التي تستهدف خفضه. لكن أي قصور في تمثيل المصادر الفعلية أو تغيرها مع الطقس قد يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة، ومن ثم إلى سياسات لا تعالج المشكلة من جميع جوانبها.
وتشير النتائج إلى ضرورة تحديث أدوات تقييم جودة الهواء بحيث تأخذ في الاعتبار التغير في مزيج مصادر التلوث داخل المدن، ولا سيما مع تراجع انبعاثات المركبات وازدياد الأهمية النسبية لمصادر أخرى، مثل المنتجات الكيميائية ومواد البناء.
ولا تثبت الدراسة أن جميع المنتجات المنزلية تمثل خطرًا متساويًا، أو أن أثرها واحد في كل المدن؛ فالنتائج تستند إلى قياسات أُجريت في موقع حضري محدد، وتبرز الحاجة إلى مزيد من الرصد لفهم اختلاف الانبعاثات باختلاف المناخ والأنشطة والمنتجات المستخدمة.
لكنها تقدم رسالة واضحة لصانعي السياسات: تحسين جودة الهواء لا يتطلب مراقبة عوادم السيارات وحدها، بل فهمًا أدق لما تطلقه المدينة من مركبات كيميائية، وكيف تتغير هذه الانبعاثات مع ارتفاع درجات الحرارة.
