مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة حول العالم بفعل أزمة المناخ، يبدو أن الطلب العالمي على مكيفات الهواء يتجه إلى تسارع حتمي، رغم ما تفرضه هذه الأجهزة من ضغوط إضافية على استهلاك الطاقة والانبعاثات.
ولطالما عانت الحملات الأكثر تشددًا في مواجهة تغير المناخ من مشكلة أساسية، تتمثل في تصوير الأزمة باعتبارها مشكلة ناجمة عن الإفراط في الاستهلاك، وقد دفع ذلك إلى الدعوة إلى تقليص النمو الاقتصادي، أو ما يعرف بـ«الانكماش الاقتصادي»، إضافة إلى المطالبة بالحد من النمو السكاني.
وتقوم هذه الرؤية على أن البشر يستهلكون قدرًا مفرطًا من الموارد، وهو ما يعني، في سياق أزمة المناخ، استهلاك كميات كبيرة من الطاقة.
ولم تصبح المفارقة بين هذه الرؤية والواقع أكثر وضوحًا من النقاش الدائر حول مكيفات الهواء، خصوصًا خلال موجات الحر الشديدة التي شهدها العالم هذا الصيف.
مليارات الأشخاص في مواجهة حرارة متزايدة
إذا ارتفع متوسط حرارة الغلاف الجوي إلى أكثر من 3 درجات مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهي احتمالية تبدو أكثر ترجيحًا مع ضعف الجهود الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون، فإن واحدة من كل ست مدن كبرى حول العالم قد تشهد موجة حر واحدة على الأقل سنويًا تستمر لأكثر من شهر، وفقًا لمعهد الموارد العالمية.
وفي البلدان منخفضة الدخل، قد يبلغ متوسط موجات الحر نحو 6.9 موجة سنويًا، بينما قد تشهد العاصمة الهندية نيودلهي ما لا يقل عن 140 يومًا سنويًا تصل فيها درجات الحرارة إلى 35 درجة مئوية أو أكثر.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، سيزداد الطلب على أجهزة تكييف الهواء حول العالم بصورة حتمية.
وتصل نسبة الأسر التي تمتلك أجهزة تكييف هواء في الولايات المتحدة واليابان إلى نحو 90%، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 9% في إندونيسيا و5% في الهند.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فإن 8% فقط من نحو 2.8 مليار شخص يعيشون في المناطق الأكثر حرارة في العالم يمتلكون حاليًا أجهزة تكييف هواء.
وتتميز هذه الدول بارتفاع عدد سكانها وانخفاض مستويات الدخل فيها عمومًا، كما أنها ستكون من أكثر المناطق تعرضًا لارتفاع درجات الحرارة مع استمرار تغير المناخ.
5.6 مليار جهاز تكييف بحلول 2050
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع عدد أجهزة تكييف الهواء المستخدمة في المباني حول العالم إلى نحو 5.6 مليار جهاز بحلول عام 2050، مقارنة بنحو 2.5 مليار جهاز حاليًا.
وفي الهند وحدها، من المتوقع أن يرتفع عدد أجهزة تكييف الهواء المركبة من 48 مليون وحدة عام 2020 إلى 1.1 مليار وحدة عام 2050، أي بزيادة تقارب 23 ضعفًا.
وحتى إذا نجح العالم في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات المنصوص عليها في اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، فإن ما بين 40% و50% من سكان العديد من أكثر دول العالم حرارة سيظلون بحاجة إلى أجهزة تكييف الهواء.
التبريد يفرض فاتورة ضخمة على الطاقة
لكن التوسع الهائل في استخدام مكيفات الهواء سيحتاج إلى كميات ضخمة من الطاقة.
وقدّر علماء في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفارد أن الطلب على الكهرباء المخصصة للتبريد وحده في الهند وإندونيسيا قد يصل بحلول عام 2050 إلى ما يعادل 75% من إجمالي الطلب السنوي الحالي على الكهرباء في البلدين.
ويمثل ذلك تحديًا كبيرًا أمام جهود مواجهة تغير المناخ.
ففي عام 2022، تسببت الطاقة المستخدمة في عمليات التبريد، والتي تشمل بصورة أساسية تبريد المساحات السكنية وغير السكنية، إلى جانب الحفاظ على سلاسل التبريد المستخدمة في إنتاج الأغذية والأدوية وتبريد وسائل النقل، في نحو 2.5 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لتقرير للأمم المتحدة.
ويمثل هذا الرقم نحو 7% من إجمالي الانبعاثات العالمية.
وفي حال عدم تطبيق مزيد من الاستراتيجيات لتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتطوير تقنيات التبريد السلبي، فقد ترتفع الانبعاثات المرتبطة بالتبريد إلى ما يقرب من 8 مليارات طن بحلول عام 2050.
بين حماية البيئة وإنقاذ الأرواح
فما الحل إذن؟
تشير إحدى الدراسات الاستطلاعية إلى أن 58% من الفرنسيين يفضلون «تحمل الحرارة بدلًا من تركيب مكيف هواء لحماية البيئة».
لكن مثل هذه المشاعر لا يمكن أن تكون المحرك الرئيسي لاستجابة العالم تجاه كوكب تزداد حرارته.
فمواجهة تغير المناخ تتطلب، في الواقع، تسهيل وصول مليارات الأشخاص المعرضين حاليًا لمخاطر ارتفاع درجات الحرارة إلى أجهزة تكييف الهواء، بما يحميهم ويحمي اقتصاداتهم من الآثار المتزايدة للحر الشديد.
ولا تستند هذه الرؤية إلى اعتبارات أخلاقية فحسب، رغم وجود أسباب أخلاقية عديدة تدعمها، بل تستند أيضًا إلى أدلة علمية واقتصادية.
مكيفات الهواء تقلل الوفيات المرتبطة بالحرارة
هناك أدلة قوية على أن تكييف الهواء يقلل من التأثيرات الصحية للحرارة المرتفعة.
فقد وجدت دراسة اعتمدت على بيانات من الولايات المتحدة أن معدل الوفيات في الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 80 درجة فهرنهايت، أي نحو 27 درجة مئوية، انخفض بنحو 75% بين عامي 1900 و2004، وكان إدخال أجهزة تكييف الهواء السكنية السبب الرئيسي وراء هذا الانخفاض.
وبالتالي، فإن مطالبة الدول بعدم التوسع في استخدام أجهزة تكييف الهواء تعني عمليًا قبول معدلات أعلى من الوفيات المرتبطة بالحرارة.
الحرارة تضرب الإنتاجية والتعليم
هناك سبب اقتصادي قوي أيضًا للتوسع في استخدام التكييف، إذ تشير أدلة عديدة إلى أن الحرارة المفرطة في أماكن العمل تؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمال، بينما يساعد تكييف الهواء في الحد من هذا التراجع.
ولا يقتصر تأثير الحرارة على سوق العمل، إذ يمكن للارتفاع الشديد في درجات الحرارة أن يؤثر سلبًا في أداء الطلاب وتحصيلهم الدراسي، ما يهدد بتآكل رأس المال البشري على المدى الطويل.
ومن غير المرجح أن يستجيب سكان الهند وبنغلاديش وإندونيسيا وغيرها من المناطق شديدة الحرارة لدعوات التخلي عن مكيفات الهواء، في ظل تعرضهم المباشر لمخاطر الحرارة الشديدة.
كما أن فرض سياسات غير واقعية تضر بالتنمية الاقتصادية لهذه الدول قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في إضعاف استعدادها للتعاون مع الجهود العالمية الرامية إلى الحد من تغير المناخ.
وقد أثارت حملات غربية سابقة لوقف مشروعات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، بالتزامن مع دعوات غربية أخرى لوقف تطوير الوقود الأحفوري في القارة، قدرًا من الاستياء ولم تحقق النتائج المرجوة.
ومن المرجح أن تؤدي محاولة الحد من وصول هذه الدول إلى أجهزة تكييف الهواء إلى النتيجة نفسها.
التنمية الاقتصادية جزء من معركة المناخ
سواء تعلق الأمر بتشغيل الصناعات، أو تحسين وسائل النقل، أو تبريد المنازل وأماكن العمل، فإن تحقيق نمو اقتصادي أسرع في الدول الفقيرة والحارة حول العالم سيتطلب استهلاك مزيد من الطاقة.
ويظل تحقيق التنمية الاقتصادية لهذه الدول أمرًا لا غنى عنه في المعركة العالمية ضد تغير المناخ.
وكما يتعين على أنصار خفض عدد السكان إدراك أن الابتكار يحتاج إلى البشر، فإن أنصار تقليص البصمة البشرية على الكوكب بهدف منع تغير المناخ يسيئون فهم الكيفية التي تمكنت بها البشرية من تحقيق الازدهار رغم القيود البيئية.
لقد كان الابتكار هو الأداة الرئيسية التي مكنت البشر من تجاوز كثير من هذه القيود.
ومن ثم، فإن الطريق إلى إزالة الكربون يتطلب التوصل إلى وسائل لإنتاج الطاقة الخالية من الكربون على نطاق واسع وفي مختلف أنحاء العالم.
وسيكون تحقيق هذا الهدف أسهل في عالم غني يمتلك سكانه أجهزة تكييف وتبريد، مقارنة بعالم فقير وحار يفتقر فيه الملايين إلى وسائل الحماية من ارتفاع درجات الحرارة.
وبذلك، لا تتمثل القضية في الاختيار بين مكافحة تغير المناخ أو توفير التبريد لمليارات البشر، وإنما في بناء منظومة طاقة نظيفة وفعالة تتيح للناس الحصول على التبريد الذي يحتاجون إليه دون دفع الكوكب إلى مزيد من الاحترار.
