هل تستطيع مصر الوقوف وحدها اقتصاديًا؟ تحديات الدين والتضخم وسعر الصرف والطاقة والنمو والاستثمار.
تقترب مصر من نهاية برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، لكن انتهاء البرنامج لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة مع المؤسسة الدولية، ولا يعني كذلك أن الاقتصاد المصري خرج من دائرة الضغوط التي دفعته إلى طلب الدعم الخارجي خلال السنوات الماضية.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد البرنامج: هل تستطيع مصر تمويل احتياجاتها الخارجية والمحلية من دون العودة إلى اتفاق تمويلي جديد؟ وهل يمكن الحفاظ على استقرار سعر الصرف وخفض التضخم وأسعار الفائدة، بالتوازي مع تقليص أعباء الدين، وزيادة الاستثمار الخاص، وتحقيق نمو ينعكس أخيرًا على مستوى معيشة المواطنين؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر في ظل بيئة عالمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الحروب مع أسعار الطاقة والتجارة العالمية وتكاليف النقل والتأمين، بينما تظل مصر معرضة بصورة مباشرة لتلك الصدمات بحكم احتياجاتها من الطاقة والعملة الأجنبية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي وممثل المجموعة العربية بالصندوق ووزير المالية المصري السابق، أن مصر تمتلك القدرة على صياغة وتنفيذ برنامج اقتصادي وطني بعد انتهاء برنامجها الحالي، وأن اللجوء إلى برنامج تمويلي جديد مع الصندوق ليس أمرًا حتميًا.
لكن حديث معيط في حواره مع محمد خيال وموقع الجزيرة نت يكشف في الوقت نفسه أن الانتقال إلى مرحلة ما بعد الصندوق لن يكون تلقائيًا أو خاليًا من المخاطر؛ إذ ستظل قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات مرتبطة بمجموعة من الشروط، في مقدمتها خفض التضخم والفائدة، وتحقيق نمو يتجاوز معدل نمو الدين، وزيادة الإيرادات والاستثمار، والحفاظ على تدفقات العملة الأجنبية.
من «برنامج الصندوق» إلى «البرنامج الوطني»
تستعد مصر لإنهاء برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي بنهاية 2026، بعد سنوات شهدت خلالها البلاد أكثر من برنامج تمويلي وإصلاحي.
ويرى معيط أن اللجوء إلى الصندوق لا يمثل وضعًا طبيعيًا دائمًا بالنسبة للدول، موضحًا أن المؤسسة تضم 191 دولة، بينما ترتبط عشرات الدول فقط ببرامج تمويلية في الوقت نفسه.
وبحسب تفسيره، تلجأ الدول إلى الصندوق عندما تواجه اختلالات داخلية أو صدمات خارجية تؤثر في قدرتها على تدبير احتياجاتها التمويلية من المصادر المعتادة.
وبالنسبة إلى مصر، بدأت سلسلة البرامج الحديثة مع الصندوق في نوفمبر 2016، ثم برنامج في 2020، ثم البرنامج الذي تم الاتفاق عليه في أكتوبر 2022، قبل أن يبدأ تفعيله عمليًا بعد المراجعتين الأولى والثانية في مارس 2024.
ويشير معيط إلى أن إجمالي التسهيلات التمويلية التي أتيحت لمصر من خلال تلك البرامج، وصولًا إلى البرنامج الحالي وبرنامج الصلابة والاستدامة، يبلغ نحو 29.2 مليار دولار، حصلت مصر منها على ما يقارب 26.9 مليار دولار خلال نحو 10 سنوات.
لكن القاهرة تتجه الآن، وفق معيط، إلى إعداد برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي لمرحلة ما بعد الصندوق.
والفارق هنا مهم.
فالانتقال إلى برنامج وطني لا يعني التخلي عن الإصلاح، وإنما يعني أن مصدر تصميم السياسات وتنفيذها وتمويلها يصبح بدرجة أكبر محليًا، مع استمرار التعاون الفني مع صندوق النقد.
ويؤكد معيط أن علاقة مصر بالصندوق ستستمر حتى في غياب برنامج تمويلي، من خلال الدراسات الفنية وبناء القدرات والتدريب ودعم المؤسسات والسياسات، فضلًا عن المراجعة السنوية المعروفة باسم مراجعة المادة الرابعة.
هل تستطيع مصر الاستغناء عن التمويل؟
الإجابة التي يقدمها معيط هي أن مصر تمتلك بالفعل القدرة على وضع خططها الاقتصادية الخاصة، وأن لديها مقومات تسمح لها بتنويع مصادر التمويل.
ويشير إلى الأسواق الدولية والمؤسسات المالية الدولية والاتفاقيات الثنائية وغيرها من أدوات التمويل المتاحة للدول.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى التمييز بين أمرين مختلفين:
القدرة على إدارة الاقتصاد دون برنامج تمويلي من الصندوق، والقدرة على تحمل الصدمات دون الحاجة إلى أي تمويل خارجي.
الأول ممكن نظريًا إذا توافرت موارد التمويل والسيولة والاحتياطيات وتدفقات العملة الأجنبية.
أما الثاني فهو أكثر تعقيدًا، لأن الاقتصاد المصري يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالأسواق العالمية وأسعار الطاقة وحركة التجارة والسياحة والاستثمار وتحويلات المصريين في الخارج.
ولهذا، فإن غياب برنامج جديد مع الصندوق لا يعني اختفاء الحاجة إلى التمويل الخارجي، وإنما يعني أن مصر ستكون مطالبة بتأمين احتياجاتها من مصادر أخرى، وبشروط وتكاليف تعتمد على درجة ثقة الأسواق في الاقتصاد وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
ومن هنا، يصبح البرنامج الوطني نفسه اختبارًا للثقة بقدر ما هو خطة اقتصادية.
الصدمة التي قد تعيد الحسابات: الطاقة
أكبر المخاطر التي يضعها معيط في حساباته لا تأتي كلها من الداخل.
فالاقتصاد المصري يتأثر بصورة مباشرة بتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
ويقدم مثالًا يوضح حجم التأثير المحتمل: إذا استوردت مصر 200 مليون برميل من النفط بسعر 65 دولارًا للبرميل، فإن الفاتورة تبلغ نحو 13 مليار دولار.
لكن عند ارتفاع السعر إلى 105 دولارات، تقفز تكلفة الكمية نفسها إلى نحو 21 مليار دولار.
أي زيادة تقترب من 8 مليارات دولار من دون أن تتغير كمية الاستيراد.
وهذه الزيادة لا تتوقف عند فاتورة النفط.
فارتفاع الطاقة يضغط على احتياجات العملة الأجنبية، ويؤثر في تكلفة الوقود والكهرباء والنقل، ثم ينتقل إلى تكاليف الإنتاج والخدمات، وهو ما قد يغذي التضخم.
وهنا تظهر واحدة من أكثر حلقات الاقتصاد المصري حساسية:
ارتفاع الطاقة → زيادة فاتورة الاستيراد → ضغط على العملة الأجنبية → ارتفاع تكاليف الإنتاج → ضغوط تضخمية → حاجة إلى فائدة مرتفعة → ارتفاع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين.
وبالتالي، فإن صدمة خارجية واحدة يمكن أن تنتقل من سوق الطاقة إلى الموازنة العامة ثم إلى التضخم والدين وسعر الفائدة.
الجنيه.. لماذا لا يوجد «سعر حقيقي» ثابت؟
في ملف سعر الصرف، يرى معيط أن السياسة التي أعلنها البنك المركزي في مارس 2024، والقائمة على مرونة سعر الصرف وفق قوى العرض والطلب، أثبتت قدرتها على امتصاص عدد من الصدمات.
ويشير إلى تحرك سعر الدولار من مستويات قرب 46 جنيهًا إلى نحو 56 جنيهًا، قبل أن يعود إلى حدود 51 جنيهًا وفق الأرقام التي استند إليها في حديثه.
ومن هذا المنطلق، يرفض معيط التعامل مع مفهوم «السعر الحقيقي للجنيه» باعتباره رقمًا ثابتًا.
ويشرح ذلك بأن سعر العملة، مثل أسعار السلع، يتحدد وفق التفاعل بين العرض والطلب.
لكن أهمية هذه النقطة تتجاوز المصطلح نفسه.
فمرونة سعر الصرف تعني أن جزءًا من الصدمات الخارجية يمكن امتصاصه من خلال حركة سعر العملة، بدل استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن مستوى ثابت للسعر.
وفي المقابل، فإن انخفاض قيمة العملة يمكن أن يرفع تكلفة الواردات، وخاصة الطاقة والسلع الوسيطة، وبالتالي يمكن أن يضغط على التضخم.
ولهذا، فإن نجاح سياسة سعر الصرف لا يقاس فقط باستقرار الدولار عند رقم معين، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن بين توافر العملة الأجنبية، واستقرار السوق، والحد من التضخم، ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد.
الدين.. المشكلة ليست في حجمه وحده
يضع معيط الدين العام في قلب المعادلة الاقتصادية، لكنه لا يرى أن الحل يكمن فقط في خفض قيمة الدين اسميًا.
المعيار الأكثر أهمية، بحسب رؤيته، هو نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
فالاقتصاد الذي ينمو بسرعة أكبر من نمو ديونه يستطيع، بمرور الوقت، تخفيض نسبة الدين إلى الناتج حتى إذا ظل حجم الدين نفسه مرتفعًا.
ومن هنا، يصبح النمو جزءًا من استراتيجية خفض الدين وليس مجرد هدف منفصل عنها.
لكن المشكلة الأكثر إلحاحًا تتمثل في تكلفة خدمة الدين.
فارتفاع أسعار الفائدة يرفع قيمة الفوائد التي تدفعها الحكومة، في حين يؤدي انخفاض سعر العملة إلى زيادة تكلفة خدمة الجزء الخارجي من الدين عند تحويله إلى الجنيه.
ويشير معيط إلى أن خدمة الدين ارتفعت من مستويات كانت تدور حول 30% من الإيرادات إلى مستويات تتجاوز 60% و70%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة من نطاقات تراوحت بين 10% و12% إلى نحو 30%.
وبذلك تصبح الفائدة حلقة مركزية في المعادلة.
فكلما ارتفع التضخم، يصعب خفض الفائدة بسرعة. وكلما بقيت الفائدة مرتفعة، ارتفعت تكلفة الاقتراض وخدمة الدين. وكلما ارتفعت خدمة الدين، زادت الضغوط على الموازنة.
ومن هنا، فإن خفض التضخم لا يمثل فقط هدفًا لحماية القوة الشرائية للمواطن، وإنما يصبح أيضًا أداة مالية لتقليل تكلفة الدين.
فائض أولي 5%.. فلماذا يبقى العجز؟
يشير معيط إلى أن الموازنة تحقق فائضًا أوليًا قويًا يبلغ نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن أعباء الفوائد تقترب من 10% من الناتج، وهو ما يحول الفائض الأولي إلى عجز كلي يقارب 5%.
وهذه الأرقام توضح الفرق بين «الفائض الأولي» و«النتيجة النهائية للموازنة».
فالفائض الأولي يعني أن الإيرادات تتجاوز الإنفاق قبل احتساب فوائد الدين.
لكن عندما تكون فاتورة الفوائد ضخمة إلى درجة تتجاوز الفائض الأولي، فإن الدولة تنتهي بعجز رغم تحقيقها فائضًا قبل الفوائد.
وهنا تظهر صعوبة المرحلة المقبلة: خفض الدين يحتاج إلى فائض أولي، لكن استمرار الفائدة المرتفعة يمكن أن يلتهم هذا الفائض.
لذلك، لا يمكن معالجة الدين من خلال المالية العامة وحدها؛ بل يحتاج إلى تضافر السياسة المالية والنقدية والنمو الاقتصادي.
النمو هو «المخرج» وليس مجرد رقم
يرى معيط أن الحل الأكثر استدامة لمشكلة الدين يتمثل في تحقيق معدل نمو اقتصادي يفوق معدل نمو الدين.
النمو يرفع الإيرادات العامة، ويزيد النشاط الإنتاجي، ويعزز فرص التصدير والسياحة، ويوسع قاعدة الشركات والاستثمارات.
لكن النمو المطلوب ليس نموًا مدفوعًا فقط بالإنفاق الحكومي أو الاقتراض.
وهنا يبرز الدور الذي يعطيه معيط للقطاع الخاص.
فزيادة الاستثمار الخاص تعني توسيع الطاقة الإنتاجية، وخلق وظائف، وزيادة الصادرات، وجذب تدفقات من النقد الأجنبي، بدل الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض لتمويل التوسع الاقتصادي.
وبالتالي، فإن زيادة دور القطاع الخاص ليست قضية منفصلة عن أزمة الدين، وإنما إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في تحسين قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات والعملات الأجنبية.
المواطن.. الحلقة التي لم تكتمل بعد
تظل هذه هي النقطة الأكثر حساسية في المشهد كله.
فحتى إذا تحسنت مؤشرات النمو والاحتياطيات والعجز والدين، فإن المواطن لن يعتبر الإصلاح ناجحًا ما لم يلمس أثره في الأسعار والدخل وفرص العمل.
ومعيط لا يحدد موعدًا قاطعًا لهذا التحسن، ويربطه بدرجة كبيرة بمصير الصدمات الخارجية.
والسبب اقتصادي في جوهره.
فارتفاع أسعار النفط لا يرفع فقط تكلفة البنزين، بل يمكن أن يرفع تكلفة النقل والكهرباء والإنتاج، ثم تكلفة توزيع السلع والخدمات.
وإذا أدى ذلك إلى ارتفاع التضخم، فإن تحسن الدخول الاسمية قد لا يترجم بالضرورة إلى زيادة في القوة الشرائية.
ومن هنا، فإن انخفاض التضخم قد يكون أكثر أهمية للمواطن من مجرد ارتفاع معدل النمو في حد ذاته.
فالاقتصاد يمكن أن ينمو، لكن إذا ظلت الأسعار ترتفع بوتيرة سريعة، فإن المواطن قد لا يشعر بتحسن حقيقي في مستوى معيشته.
ولهذا، فإن الطريق من «تحسن المؤشرات» إلى «تحسن الحياة اليومية» يمر عبر عدة مراحل:
استقرار الطاقة وسوق الصرف → انخفاض التضخم → انخفاض الفائدة → تحسن الاستثمار والإنتاج → خلق فرص عمل وزيادة الدخول → تحسن القوة الشرائية.
وكل حلقة في هذه السلسلة تحتاج إلى وقت واستقرار.
مصر والصندوق.. نهاية البرنامج لا تعني نهاية العلاقة
في الوقت الذي تستعد فيه مصر لمرحلة ما بعد البرنامج، لا تبدو العلاقة مع صندوق النقد متجهة إلى القطيعة.
فالمؤسسة ستظل شريكًا فنيًا من خلال المراجعات الدورية والمشاورات وبناء القدرات والدعم المؤسسي.
لكن الاختلاف الرئيسي سيكون في طبيعة العلاقة.
فبدل أن يكون السؤال الأساسي هو «متى تحصل مصر على الشريحة التالية؟»، قد يصبح السؤال هو «هل يستطيع الاقتصاد الحفاظ على الاستقرار دون تمويل جديد من الصندوق؟»
وهذا تحول مهم في طبيعة الاختبار.
فالبرنامج الوطني سيكون مسؤولًا عن تحديد أولويات الإصلاح، بينما ستظل الأسواق والمؤسسات الدولية تراقب النتائج: التضخم، الدين، النمو، سعر الصرف، الاحتياطيات، الاستثمار الخاص، وقدرة الدولة على تدبير احتياجاتها الخارجية.
الاختبار العربي أيضًا يتسع
لا تواجه مصر هذا المسار وحدها.
وبحسب معيط، فإن لبنان أعلنت رغبتها رسميًا في الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد، ولا يزال الحوار قائمًا، بينما قد تدفع تداعيات الأوضاع الإقليمية دولًا أخرى إلى التفكير في برامج تمويلية.
ويضم المكتب الذي يمثل معيط في الصندوق 11 دولة عربية، بينما تتبع دول عربية أخرى مكتبًا مختلفًا.
وتوجد حاليًا ثلاثة بلدان ضمن مجموعته لديها برامج قائمة مع الصندوق: مصر والأردن والصومال.
ويشير ذلك إلى أن الضغوط التي تواجه الاقتصادات العربية لم تعد مرتبطة فقط بالاختلالات المحلية، وإنما تتأثر أيضًا بالصدمات الإقليمية وأسعار الطاقة والتجارة وحركة رؤوس الأموال.
نوفمبر.. محطة مهمة قبل نهاية البرنامج
قبل الانتقال الكامل إلى مرحلة ما بعد الصندوق، تنتظر مصر محطة مهمة تتمثل في المراجعة الثامنة لبرنامجها، التي يتوقع معيط إجراءها خلال نوفمبر 2026.
لكن الأهم من موعد المراجعة هو ما سيأتي بعدها.
فمصر ستدخل مرحلة تحتاج فيها إلى إثبات أن الاستقرار الذي تحقق يمكن أن يستمر من دون مظلة برنامج تمويلي جديد.
وهنا لن يكون النجاح مرتبطًا بمؤشر واحد.
إذا انخفض التضخم دون أن يتحسن النمو بصورة كافية، ستظل مشكلة الوظائف والدخل قائمة.
وإذا ارتفع النمو مع استمرار الدين في الصعود بوتيرة أسرع، ستبقى مشكلة الاستدامة المالية قائمة.
وإذا استقر سعر الصرف بينما بقيت فاتورة الطاقة مرتفعة، ستظل احتياجات العملة الأجنبية تمثل ضغطًا.
وإذا انخفضت الفائدة بسرعة قبل السيطرة المستدامة على التضخم، فقد تعود الضغوط على الأسعار وسوق الصرف.
لذلك، فإن الاقتصاد المصري يحتاج إلى تحسن متزامن في مجموعة من المتغيرات، لا إلى نجاح منفرد في أحدها.
ما بعد الصندوق.. الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري
الرسالة الأساسية في حديث معيط أن برنامج صندوق النقد ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما أداة تلجأ إليها الدول عندما تحتاج إلى تمويل أو دعم لاستعادة التوازن.
أما الهدف النهائي فهو بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه، وتحمل الصدمات، وجذب الاستثمار، وتوليد العملة الأجنبية، وزيادة الإنتاج، وخفض الدين والتضخم.
وهذا تحديدًا هو التحدي الذي ينتظر مصر بعد انتهاء البرنامج.
فالاقتصاد لن يكون مطالبًا فقط بإثبات أنه يستطيع الاستغناء عن قرض جديد، وإنما بأن يثبت أن الاستغناء عن البرنامج لا يعني العودة إلى الاختلالات التي دفعت إلى طلبه في المقام الأول.
ومن هنا، فإن المعركة الاقتصادية المقبلة ستكون أقل ارتباطًا بالحصول على تمويل طارئ، وأكثر ارتباطًا ببناء مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، ورفع الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتنشيط السياحة، وجذب الاستثمار الخاص، وخفض تكلفة الاقتراض، وتحقيق نمو حقيقي ومستدام.
وفي النهاية، سيظل المؤشر الأكثر أهمية خارج جداول المؤسسات الدولية: هل يتحول الاستقرار الاقتصادي إلى تحسن في القدرة الشرائية وفرص العمل ومستوى المعيشة؟
فإذا استطاعت مصر تحقيق نمو أسرع من نمو الدين، والسيطرة على التضخم، وخفض تكلفة الفائدة، والحفاظ على مرونة سوق الصرف، وزيادة تدفقات العملة الأجنبية والاستثمار الخاص، فإن مرحلة ما بعد الصندوق يمكن أن تتحول من مجرد نهاية برنامج تمويلي إلى اختبار لقدرة الاقتصاد على الاعتماد بصورة أكبر على قوته الذاتية.
أما إذا استمرت الصدمات الخارجية وارتفعت تكلفة الطاقة والتمويل، فإن هامش المناورة سيظل ضيقًا، وستبقى الحاجة إلى مصادر تمويل خارجية جزءًا من إدارة الاقتصاد، سواء كان ذلك عبر صندوق النقد أو الأسواق الدولية أو المؤسسات المالية أو الشراكات والاستثمارات.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه مرحلة ما بعد الصندوق ليس: هل ستعود مصر إلى صندوق النقد أم لا؟
بل: هل تستطيع مصر أن تجعل اقتصادها ينمو أسرع من ديونها، وتولد عملة أجنبية أكثر مما تحتاج، وتخفض التضخم والفائدة بما يكفي لتحويل الاستقرار المالي إلى تحسن ملموس في حياة المواطن؟
هذه هي المعادلة التي ستحدد شكل الاقتصاد المصري في السنوات المقبلة.
