مستقبل الغذاء في المدن.. كيف ستتغير الزراعة في عصر الانكماش الاقتصادي

الزراعة الحضرية والتقنيات المستدامة تعيد الاتصال بالطبيعة

كيف يمكن أن تتغير الزراعة في عالم ما بعد النمو؟

الانكماش الاقتصادي، أو فكرة أنه يمكن إنقاذ كوكب الأرض من خلال تقليص اقتصاداتنا، لم يعد مفهومًا هامشيًا.

في السنوات الأخيرة، أصبح السياسيون البيئيون يرون أن هذا النهج يقدم أفضل الحلول للأزمة البيئية.

وفي بعض الأوساط العلمية، بدأت الفكرة تحظى باعتماد متزايد: فقد اقترحت لجان الأمم المتحدة العلمية المكلفة بقياس تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، مثل IPCC وIPBES، أن تنظر الحكومات في سياسات الانكماش الاقتصادي لمواجهة الانهيار البيئي، بينما بدأ الأكاديميون بإدراج سيناريوهات الانكماش الاقتصادي في النماذج العلمية.

الزراعة بطرق مستدامة

تخيّل التكنولوجيا في عالم الانكماش

ما ستبدو عليه هذه المفاهيم على أرض الواقع لا يزال قيد التطوير، عالمة تبحث في استخدام التكنولوجيا في الأسواق البديلة، اهتمت بشكل خاص بدراسة العلاقة بين الانكماش الاقتصادي والتكنولوجيا، تؤكد أنه على عكس التصورات الشائعة، لا يعارض مناصرو الانكماش التكنولوجيا، بل يركز بعض المفكرين البارزين على أن الحركة تعطي الأولوية للتغييرات والتحسينات في الكفاءة بقدر ما تكون “قابلة للتطبيق علميًا، ومنسجمة بيئيًا، وعادلة اجتماعيًا”.

في أبحاث، قامت بها هاندان فيكدان، الأستاذة المشاركة في التسويق، كلية إي إم ليون للأعمال ، ترى أن الزراعة العمودية، وهي ممارسة زراعة المحاصيل في أوعية مكدسة ضمن هياكل شبيهة بالأبراج على أسطح المباني أو في المساحات الخالية، تمثل مثالًا نموذجيًا للتكنولوجيا المتوافقة مع الانكماش الاقتصادي.

وتوضح أن الدراسات الأكاديمية تشير إلى دعم هذا الاتجاه؛ فالانكماشيون يثمنون “المشاعات الصالحة للأكل” ومبادئ الاكتفاء الذاتي والتجديد، وعلى عكس المزارع العمودية الداخلية التي تديرها الشركات الكبرى، فإن المزارع الحضرية على الأسطح ليست مكثفة الطاقة، وتمكن الأفراد والشركات الصغيرة من زراعة الغذاء محليًا، ما يقلل اعتماد سكان المدن على السلاسل الغذائية العالمية المتقلبة.

مزارع باريس الحضرية

الزراعة الحضرية

فرنسا، كأمة زراعية، تقدم أمثلة بارزة للزراعة العمودية، في سطح Pavillon 6 ، بمعرض باريس، توجد Nature Urbaine، أكبر مزرعة حضرية في أوروبا بمساحة 14,000 متر مربع، تُستخدم تقنيات مبتكرة لمضاعفة قدرة الإنتاج ست مرات، وتشمل أبراجًا تحوي الفواكه والخضروات، تُرش جذورها دوريًا بمحلول مغذي، وتستفيد من مزاريب المطر لتغذية النباتات.

كما تقول الباحثة، هذه المشاريع تزيد وعي السكان بمصادر غذائهم، وتعزز التفاعل الاجتماعي وتبادل المعرفة الزراعية، من خلال ورش تعليمية للمجتمعات المحلية والشركات.

مجتمعات مستدامة مكتفية ذاتيًا

الزراعة الحضرية

وتوضح أن مشروع ReGenVillages الهولندي، منذ 2016، يهدف لإنشاء قرى بيئية حول العالم مكتفية ذاتيًا بالطاقة والغذاء، وتوفر المساكن المسبقة الصنع بأسعار معقولة، ويستخدم برنامج VillageOS لإدارة الموارد المجتمعية، من الطاقة والمياه إلى الزراعة وإعادة التدوير، مع تبادل المعرفة بين المجتمعات حول العالم.

كما أن مشروع Farmhouse النمساوي، في مرحلة مفاهيمية، يدمج الهندسة المعمارية بالزراعة، ويعتمد على تدوير الماء والنفايات وتحويل الحرارة الناتجة عن السكان لدعم نمو النباتات، مثل البطاطس والفاصوليا.

تتيح هذه التقنيات إعادة الحيوية للتربة والطبيعة، وتقلل من اعتمادنا على الموارد مثل الماء والطاقة والأسمدة الكيميائية، وتساهم في تحسين جودة الهواء والتنظيم الحراري للمدن.

حدود الزراعة الحضرية

الزراعة الحضرية

وتكشف الباحثة، مع ذلك، يظل البصمة الكربونية للزراعة الحضرية مصدر قلق؛ حيث يصل انبعاث جرامات ثاني أكسيد الكربون للفواكه والخضروات الحضرية إلى 420 جرامًا، مقارنةً بـ70 جرامًا في الزراعة التقليدية، لكن هذه المشاريع أفضل في إنتاج محاصيل منخفضة الانبعاثات، مثل الطماطم، وتشمل الحدائق المدارة فرديًا.

قد يكون توسيع هذه النماذج لتغذية جميع سكان المدن تحديًا، لكن جائحة كوفيد-19 أبرزت أهمية الاكتفاء المحلي.

كما تظل مسألة شمولية هذه المشاريع للأفراد من خلفيات اجتماعية محدودة محور نقاش، مع وجود مبادرات تدريبية تديرها منظمات غير حكومية تشمل السجون والمجتمعات المحلية.

أخيرًا، تتطلب تشجيع سكان المدن على الزراعة تغييرات اجتماعية كبيرة، مثل الحد من ساعات العمل، أو اعتماد سياسات العمل المرنة، لتمكين المزيد من الناس من الاستثمار في زراعة غذائهم محليًا.

Exit mobile version