بات التمويل المناخي القضية الأكثر حضورًا في جميع مسارات التفاوض خلال محادثات المناخ الجارية في مدينة بون الألمانية، وسط تحذيرات من أن تعثر المناقشات المالية ينعكس سلبًا على التقدم في الملفات الأخرى ويهدد فرص النجاح في مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31).
وقالت ريبيكا تيسن، مسؤولة المناصرة العالمية في شبكة العمل المناخي الدولية، إن غياب التقدم في غرف التفاوض الخاصة بالتمويل يرسل إشارات مقلقة بشأن مستقبل المفاوضات، مضيفة أن هذه الأزمة تؤثر على جميع المسارات التفاوضية الأخرى.
وشهدت مناقشات الهدف العالمي للتكيف مع تغير المناخ مطالب من المجموعة الأفريقية للمفاوضين بإدراج التزام مؤتمر COP30 بمضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات ضمن النصوص التفاوضية المستقبلية، وهو مطلب حظي بدعم جميع مجموعات الدول النامية.
وكانت الدول قد اتفقت خلال مؤتمر COP30 في مدينة بيليم البرازيلية على هدف تمويلي يمتد حتى عام 2035، إلا أن الاتفاق لم يتضمن تفاصيل التنفيذ أو تحديد خط الأساس الذي سيتم على أساسه احتساب الزيادة المطلوبة في التمويل.
120 مليار دولار لتمويل التكيف
وتطالب الدول النامية ومنظمات المجتمع المدني بتحديد هدف سنوي واضح يبلغ 120 مليار دولار لتمويل التكيف، استنادًا إلى مضاعفة الهدف السابق البالغ 40 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2025 ثلاث مرات.
وترى هذه الأطراف أن تثبيت الرقم في القرارات الرسمية سيمنع أي محاولات مستقبلية لاحتساب الزيادة انطلاقًا من مستويات التمويل الفعلية الحالية، التي تقل كثيرًا عن الأهداف المعلنة.
ووفقًا للبيانات المتاحة، بلغ حجم تمويل التكيف المقدم من الحكومات المانحة وبنوك التنمية متعددة الأطراف نحو 31.7 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بانخفاضه خلال عام 2025 في ظل تقليص الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لبرامج التمويل التنموي.
وأكدت مارلين أشوكي، مسؤولة السياسات العالمية في منظمة CARE الدولية، أن مبلغ 120 مليار دولار يمثل الحد الأدنى المطلوب وليس السقف النهائي، مشيرة إلى أن الفجوة السنوية بين احتياجات الدول النامية وتمويل التكيف المتاح تقدر بنحو 300 مليار دولار.
آلية جديدة لتمويل الانتقال لاقتصادات منخفضة الانبعاثات
وفي ملف برنامج العمل الخاص بالانتقال العادل، برز التمويل أيضًا كإحدى أكثر القضايا إثارة للجدل.
فبينما تدعو الدول النامية إلى إنشاء آلية جديدة لحشد التمويل اللازم لدعم الانتقال نحو اقتصادات منخفضة الانبعاثات، ترى العديد من الدول المتقدمة أن الملف المالي لا ينبغي أن يكون جزءًا من اختصاص هذا البرنامج.
كما حضرت قضايا التمويل بقوة خلال أول حوار رسمي بشأن التجارة وتغير المناخ في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وأعربت المجموعة الأفريقية عن قلقها من بعض آليات السوق، بما في ذلك أسواق الكربون، معتبرة أنها تسمح للدول المتقدمة بشراء حقوق الانبعاثات من الدول النامية، بينما تتحمل الأخيرة أعباء الحفاظ على قدراتها الطبيعية لامتصاص الكربون.
وشددت مجموعة أقل البلدان نموًا على أهمية بناء القدرات المحلية ونقل المعرفة التقنية إلى الدول النامية بدلًا من الاكتفاء بجذب الاستثمارات الأجنبية. واستشهدت بتقارير أممية تؤكد أن تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة دون نقل التكنولوجيا والخبرات قد يؤدي إلى خلق أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية تحت شعار التحول الأخضر.
غياب ملف المناخ عن جدول أعمال قمة مجموعة السبع
وفي سياق متصل، أثار غياب ملف المناخ عن جدول أعمال قمة مجموعة السبع، المنعقدة في فرنسا خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو، انتقادات واسعة من منظمات المجتمع المدني. ورأت تيسن أن بعض الحكومات أصبحت أقل استعدادًا للتحدث علنًا عن التزاماتها المناخية في ظل مواقف الإدارة الأمريكية الحالية.
ورغم غياب الإشارات المباشرة إلى المناخ، أشار محللون إلى أن بعض الملفات المرتبطة به لا تزال مطروحة ضمن نقاشات أمن الطاقة وسلاسل توريد المعادن الحيوية وتسهيل الوصول إلى التمويل للدول المثقلة بالديون.
من جهة أخرى، كشفت الرئاسة البرازيلية لمؤتمر COP30 عن استمرار العمل على إعداد خريطة طريق وطنية للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، بالتعاون بين وزارات البيئة والطاقة والمالية.
وقالت فلافيا بيلاجواردا، المستشارة الخاصة لوزارة البيئة البرازيلية، إن هناك اختلافات في وجهات النظر بين الجهات الحكومية حول مفهوم خريطة الطريق، إلا أن الأطراف المعنية توصلت إلى مجموعة من المبادئ التوجيهية المشتركة التي يجري حاليًا مراجعتها قبل بدء مشاورات أوسع مع ممثلي قطاع الطاقة ومنظمات المجتمع المدني.
وأكدت أن عملية إعداد الخريطة الوطنية تحتاج إلى وقت كافٍ نظرًا لتعقيد الملف وتشابكه مع قضايا أمن الطاقة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، مشددة على أن الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها.
