حين أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خفض مساعداتها لأفريقيا بشكل حاد، توقع المراقبون أزمة إنسانية واسعة تضرب القارة من شمالها إلى جنوبها، غير أن الواقع جاء مغايرًا في كثير من جوانبه، وإن لم يخلُ من جراح حقيقية.
فبحسب ما رصدته صحيفة “واشنطن بوست”، تراجعت المساعدات الأمريكية لأفريقيا من 12.1 مليار دولار في آخر سنوات إدارة بايدن إلى 7.86 مليارات دولار عام 2025، وهو أدنى مستوى منذ عقد كامل.
وقد رافق ذلك تقليصات مماثلة من دول أوروبية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا، ليبلغ إجمالي التراجع في المساعدات الدولية للتنمية نحو 42 مليار دولار خلال العام نفسه، وفق منظمة “دونر تراكر”.
وكان إلغاء ما يقارب 80% من مشاريع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية هو الأشد وطأة، إذ أسفر عن إغلاق عيادات كانت تعنى بضحايا العنف الجنسي في شرق الكونغو، فضلًا عن تقليص حاد في تمويل برنامج أمريكي لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، الذي كان ينقذ ملايين الأرواح بتكلفة منخفضة نسبيًا على دافعي الضرائب الأمريكيين.
وعلى الرغم من هذه الصدمة، سجل اقتصاد أفريقيا جنوب الصحراء نموًا بلغ 4.1% عام 2025، ويُتوقع أن تتخطى القارة المعدل العالمي هذا العام بنمو يصل إلى 4.3%، وهو ما يؤكد أن المساعدات الخارجية لم تكن يومًا المحرك الرئيسي لمصير القارة.
وقد دفعت طفرة أسعار المعادن عالميًا، لا سيما تلك الحيوية للاقتصاد الأخضر مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس، جزءًا مهمًا من هذا النمو.
غير أن الأمر لا يتوقف عند الثروات الطبيعية وحدها، إذ دفع التخلي القسري عن المساعدات كثيرًا من الحكومات الأفريقية نحو إصلاحات طال انتظارها.
وأشارت الصحيفة إلى أن من أبرز هذه الإصلاحات تحديث منظومة تحصيل الضرائب في دول عدة، من بينها أوغندا وكينيا ورواندا ونيجيريا، عبر التحول إلى الرقمنة.
كما شرعت كينيا ونيجيريا وأنغولا وإثيوبيا في رفع دعم الوقود غير الفعال لتحرير الموارد اللازمة لسد العجز المالي، وإن كانت ارتفاعات أسعار النفط الناجمة عن الحرب على إيران قد أبطأت هذا المسار مؤقتًا.
تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية
وعلى صعيد التكامل الاقتصادي، أسهمت قطيعة المساعدات في تسريع مساعي دمج الاقتصادات الأفريقية ببعضها، في خطوة نحو تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية التي ظلت حبيسة التردد لسنوات طويلة.
ولفتت الصحيفة إلى أن المساعدات الخارجية لم تعد تمثل المصدر الرئيسي لرأس المال في القارة، إذ حلت محلها الاستثمارات الأجنبية وتحويلات المغتربين الأفارقة في الخارج.
كما عمّقت القارة علاقاتها مع شركاء دوليين بديلين، في مقدمتهم الصين ودول الخليج العربي، اللذان يفضلان نهج بناء البنية التحتية وتعزيز الروابط التجارية بدلًا من الاعتماد على المساعدات.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وقّع في فبراير الماضي على تمديد قانون “أفريقيا للنمو والفرص” (أجوا) لعام واحد، الذي يمنح دولًا أفريقية وصولًا معفى من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأمريكية، مع توجه لتعديله بما يفتح في المقابل الأسواق الأفريقية أمام البضائع الأمريكية.
وتختتم “واشنطن بوست” تقريرها بتساؤل محوري: هل ستتعامل الولايات المتحدة مع أفريقيا كشريك تجاري حقيقي، أم تترك المجال لقوى دولية أخرى لملء الفراغ؟
