مدينة الـ 15 دقيقة.. لماذا لا يجب أن يكون الوقت العامل الوحيد في تخطيط مدن المستقبل.. ابتكار حلول مخصصة لكل مدينة
تفاوتات صارخة في الوصول إلى الخدمات داخل المدن أو بين المناطق المختلفة
لقد أصبحت مدينة الخمس عشرة دقيقة، وهي مفهوم حيث يمكن الوصول إلى الخدمات الأساسية في غضون 15 دقيقة سيرًا على الأقدام أو بالدراجة، تحظى بشعبية متزايدة في التخطيط الحضري في السنوات الأخيرة، وذلك لأنها تقدم حلولاً للعديد من التحديات الملحة في المناطق الحضرية، مثل حركة المرور والتلوث والعزلة الاجتماعية ونوعية الحياة.
ومع عيش أكثر من نصف سكان العالم الآن في المدن – وهذا الرقم في تزايد مطرد – أصبحت هذه القضايا أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature Cities ، يقدم الباحثون الآن تقييمًا عالميًا لمدى قرب المدن من نموذج المدينة المثالية التي تستغرق 15 دقيقة .
ثم تبنى فريق البحث هذا، بقيادة فيتوريو لوريتو، عضو هيئة التدريس الخارجي في مركز علوم التعقيد، وأستاذ في جامعة سابينزا في روما، ومدير ورئيس خط أبحاث المدن المستدامة في مختبرات علوم الكمبيوتر سوني – روما (Sony CSL – روما)، هذا المقياس لتقييم حالة العديد من المدن في جميع أنحاء العالم، وقدم منصة مفتوحة المصدر ( whatif.sonycsl.it/15mincity ) لكي يتمكن الجميع من استكشاف المدن أو أجزاء منها.

منظور عالمي حول إمكانية الوصول إلى المدينة
وباستخدام هذا المقياس الجديد، قام الفريق بتقييم ومقارنة المدن في جميع أنحاء العالم، ويوضح لوريتو: “كشفت نتائجنا عن تفاوتات صارخة في الوصول إلى الخدمات، سواء داخل المدن أو بين المناطق المختلفة، مما يعني أن المناطق الحضرية تمثل مستوى مرتفعًا من عدم المساواة”، على سبيل المثال، قد تكون المناطق التي تحتوي على العديد من الخدمات في المدينة أكثر تكلفة ولا يستطيع العيش فيها إلا أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليفها.
“على المستوى العالمي، تحتل العديد من المدن في أوروبا درجات عالية من حيث إمكانية الوصول، وتعد فيينا مثالاً بارزً، ومع ذلك، فإن معظم المدن في الولايات المتحدة وأفريقيا وأجزاء من آسيا تتطلب أوقاتًا أطول بشكل ملحوظ للوصول إلى الخدمات الأساسية”، كما يقول لوريتو.
ماذا لو أعيد توزيع نفس الموارد والخدمات؟ولم يتوقف فريق البحث عند تحديد هذه الفوارق، بل ذهب إلى أبعد من ذلك: ماذا لو أعيد توزيع نفس الموارد والخدمات؟ هل من الممكن زيادة إمكانية الوصول، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تقليل التفاوت في المدينة؟ أم أن الأمر يتطلب المزيد من الموارد؟ باختصار: هل يحتاج الحي، على سبيل المثال، إلى تحسين كبير في وسائل النقل للوصول إلى الخدمات الأساسية أو توزيع أكثر شمولاً لخدمات القرب الأساسية؟
خوارزمية النقل
حاول الباحثون الإجابة على هذه الأسئلة من خلال إنشاء “خوارزمية إعادة التوطين”، والتي ستساعد في فهم كيفية زيادة عدد المواطنين الذين يمكنهم الوصول إلى الخدمات في منطقة حضرية معينة والحد من التفاوت، بالإضافة إلى ذلك، تعد الخوارزمية ضرورية أيضًا في محاكاة كيفية استجابة المدينة لزيادة الخدمات حتى تصل إلى إطار 15 دقيقة وكيف يمكن أن يختلف عدد الخدمات المطلوبة بين المدن المختلفة.
“نلاحظ اختلافات كبيرة بين المدن من حيث الحد الأدنى لعدد الخدمات الإضافية المطلوبة لتحقيق مفهوم مدينة الخمس عشرة دقيقة. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أننا نلاحظ أن فكرة المدينة القائمة على القرب لا يمكن تصورها في كثير من الحالات، ولابد من ابتكار نموذج جديد جذريًا”، كما يقول لوريتو.

ما وراء الزمن: نحو تخطيط حضري قائم على القيمة
لماذا كل هذا مهم؟ في الأساس، يساعدنا هذا على فهم أفضل للمدن التي نعيش فيها، والتحديات المعقدة التي يواجهها السكان، والحلول المحتملة المتنوعة. كما يسلط الضوء على حقيقة مفادها أن كل مدينة لا تتشابه، وهذا يعني أن كل مدينة تتطلب نهجًا فريدًا ومُصممًا خصيصًا لتعقيداتها، والمدينة التي لا تتجاوز مدتها 15 دقيقة ليست سوى إطار واحد من العديد من الأطر التي يمكن أن تساعد في معالجة هذه التحديات.
وفي الدراسة، خلص الباحثون إلى أن مجرد تحديد المدينة على أساس الوقت لا يكفي لإنشاء مدينة صالحة للعيش. وبدلاً من ذلك، يتعين علينا أن نبدأ في إنشاء مدن قائمة على القيمة، حيث تؤخذ الكثافة السكانية المحلية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الاعتبار.
ومن خلال الاستفادة من هذا النموذج، يستطيع مخططو المدن والمهندسون وصناع السياسات التركيز على ابتكار حلول مخصصة لمدنهم بدلاً من اتباع نهج واحد يناسب الجميع، وهذا يضمن أن تصبح المدن أكثر سهولة في الوصول إليها من قِبَل مجموعة أوسع من الناس. ومن المؤكد أن بناء مدن أكثر عدالة ينطوي على مزايا هائلة.
إن تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والثقافة ووسائل الراحة والعديد من الفرص التي توفرها المدن كمراكز للإبداع البشري تساهم في جعلنا مواطنين عالميين أكثر انخراطًا ووعيًا.






