قد تتحول مخلفات الخرسانة إلى أداة جديدة منخفضة التكلفة لمعالجة واحدة من أخطر صور التلوث المرتبطة بالتعدين، بعدما أظهرت دراسة قادها باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية أن ركام الخرسانة المعاد تدويره يمكن أن يساعد في معالجة تصريف المناجم الحمضي، المعروف بتأثيره المدمر في الأنهار والجداول والمياه الجوفية.
وبحثت الدراسة إمكانية استخدام ركام الخرسانة المعاد تدويره (RCA)، إلى جانب مادة غنية بالحديد ناتجة عن صناعة الصلب (IRM)، بدلًا من الحجر الجيري أو إلى جانبه في أنظمة معالجة مياه المناجم الحمضية.
وأظهرت النتائج أن ركام الخرسانة المعاد تدويره قد يمثل خيارًا عمليًا في بعض المواقع، بينما كانت المادة الغنية بالحديد أقل فاعلية، خصوصًا في أنظمة المعالجة ذات التدفق المستمر.
ونُشرت الدراسة في دورية Mine Water and the Environment، وركزت على إمكانية الاستفادة من مواد صناعية متاحة بكميات كبيرة ومنخفضة التكلفة، وتحويلها من مخلفات إلى موارد يمكن استخدامها في استعادة البيئات المائية المتضررة من التعدين.
كيف تتكون مياه المناجم الحمضية؟
يتشكل تصريف المناجم الحمضي عندما تكشف عمليات التعدين الصخور التي تحتوي على الكبريت، فتتعرض للهواء والماء وتدخل في تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تكوين حمض الكبريتيك.
ويؤدي هذا الحمض إلى إذابة مجموعة من المعادن، من بينها الحديد والألومنيوم والمنجنيز، ثم تنتقل هذه المواد مع المياه الملوثة إلى الجداول والمجاري المائية.
ولا يقتصر تأثير التلوث على خفض درجة حموضة المياه، إذ يمكن أن تترسب مركبات الحديد ذات اللون البرتقالي في قاع المجاري المائية، بما يضر بالكائنات المائية والنباتات، ويهدد مصادر المياه المستخدمة في الأغراض المختلفة.
وتعد معالجة هذه المياه ضرورية في المناطق التي شهدت نشاطًا تعدينيًا مكثفًا، خصوصًا مواقع المناجم المهجورة.
وفي ولاية بنسلفانيا وحدها، يتأثر أكثر من 5 آلاف ميل من الجداول بتصريف المناجم الحمضي، وفق الباحثين، وهو ما يعكس حجم المشكلة في ولاية تمتلك تاريخًا طويلًا في تعدين الفحم.
لماذا يبحث العلماء عن بديل للحجر الجيري؟
يعتمد كثير من أنظمة معالجة مياه المناجم الحمضية على الحجر الجيري، الذي يساعد على معادلة الحموضة وتحسين خصائص المياه والمساهمة في إزالة المعادن الذائبة.
لكن الباحثين يبحثون عن مواد أقل تكلفة ومتاحة محليًا يمكن أن تؤدي وظيفة مماثلة، بما يسمح في الوقت نفسه بإعادة استخدام مخلفات كان يمكن أن ينتهي بها المطاف إلى التخلص منها.
وقالت أليسون فينسكي، خريجة جامعة ولاية بنسلفانيا والأستاذة المساعدة للهندسة البيئية في كلية جونيـاتا، إن اختيار ركام الخرسانة المعاد تدويره والمادة الغنية بالحديد جاء بسبب توافرهما وانخفاض تكلفتهما وقدرتهما على رفع درجة حموضة المياه، وهو ما جعلهما مرشحين محتملين كبدائل للحجر الجيري.
الخرسانة المعاد تدويرها تتفوق في الاختبارات
أجرى فريق البحث سلسلة من التجارب المعملية لتقييم أداء المادتين.
وفي البداية، اختبر الباحثون ما إذا كانت المواد ستطلق معادن ضارة عند تعرضها للمياه الحمضية، ثم قاسوا قدرتها على خفض حموضة المياه خلال تجارب قصيرة المدى، قبل محاكاة أدائها على مدى فترة أطول داخل نظام معالجة سلبي.
وأظهرت النتائج أن ركام الخرسانة المعاد تدويره كان الأفضل أداءً، إذ حقق أكبر انخفاض في حموضة المياه.
وفي بعض التجارب التي أجريت داخل مفاعلات دفعات، تفوق ركام الخرسانة حتى على الحجر الجيري في تقليل الحموضة، إلا أن كفاءته بدأت في الانخفاض تدريجيًا خلال التجارب التي اعتمدت على تدفق مستمر للمياه.
أما المادة الغنية بالحديد، فقد حسنت كيمياء المياه أيضًا، لكنها كانت أقل كفاءة، إذ فقدت فعاليتها سريعًا في أنظمة التدفق المستمر، كما أدت إلى زيادة تركيزات المنجنيز في المياه المعالجة.
وأظهرت الاختبارات أن المادتين أطلقتا كميات صغيرة من المعادن، إلا أن مستوياتها كانت في الغالب مماثلة للمستويات الناتجة عن استخدام الحجر الجيري.
مشكلة التراكم تقلل كفاءة المعالجة
رغم النتائج الواعدة، اكتشف الباحثون تحديًا مهمًا يمكن أن يحد من أداء هذه المواد على المدى الطويل.
فمع استمرار عملية المعالجة، تراكم الحديد ومعادن أخرى على أسطح ركام الخرسانة والمادة الغنية بالحديد، ما أدى إلى تكوين طبقة تغطي السطح وتمنع المياه الحمضية من الوصول إلى الأسطح الجديدة القادرة على مواصلة معادلة الحموضة.
ومع زيادة سمك هذه الطبقة، تراجعت كفاءة المواد تدريجيًا.
وأوضح الباحثون أن تراكم المعادن على سطح مواد المعالجة يمثل تحديًا معروفًا أيضًا في أنظمة المعالجة السلبية التي تعتمد على الحجر الجيري.
ومع ذلك، حافظ ركام الخرسانة المعاد تدويره على أدائه لفترة أطول من المادة الغنية بالحديد، رغم أن أياً منهما لم يثبت أنه بديل مباشر وبسيط للحجر الجيري في جميع الظروف.
التكلفة تعتمد على موقع المنجم
لم تقتصر الدراسة على الأداء الكيميائي، إذ بحث الفريق أيضًا في الجانب الاقتصادي لاستخدام ركام الخرسانة المعاد تدويره.
وأظهرت النمذجة أن استخدامه يمكن أن يكون مجديًا من حيث التكلفة في بعض مناطق بنسلفانيا، خصوصًا في المواقع التي تتوافر بالقرب منها مخلفات الخرسانة، وتكون مسافات نقلها قصيرة.
لكن الباحثين شددوا على أن صلاحية استخدام المادة لا يمكن تعميمها على جميع المواقع؛ إذ تختلف خصائص مياه المناجم الحمضية من موقع إلى آخر، كما يختلف تركيب الخرسانة المعاد تدويرها بحسب مصدرها.
ولهذا، فإن تقييم ظروف كل موقع على حدة سيكون ضروريًا قبل اختيار ركام الخرسانة كوسيلة للمعالجة.
أما المادة الغنية بالحديد، فلم تدخل في المقارنة الإقليمية للتكاليف، بعدما وجد الباحثون موردًا واحدًا فقط لها في ولاية بنسلفانيا.
وأشارت النمذجة إلى أن المادة الغنية بالحديد تحتاج إلى كميات أكبر من الحجر الجيري لتحقيق مدة المعالجة نفسها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنشاء.
تحويل المخلفات إلى مورد بيئي
ويرى الباحثون أن الهدف ليس استبدال الحجر الجيري في جميع أنظمة معالجة مياه المناجم، وإنما توسيع الخيارات المتاحة أمام المواقع التي تعاني من ارتفاع تكلفة أنظمة المعالجة التقليدية.
وقد يكون ركام الخرسانة المعاد تدويره مفيدًا بصورة خاصة في بعض المناجم المهجورة، عندما يتوافر مصدر محلي لمخلفات الخرسانة بالقرب من الموقع.
وقال ناثانيال وارنر، الأستاذ المشارك في الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ولاية بنسلفانيا، إن استخدام هذه المواد يمكن أن يتيح معالجة المزيد من مياه المناجم الحمضية والمساعدة في استعادة أميال من الجداول المتضررة في بنسلفانيا، بما يسمح لها مجددًا بدعم أنشطة مثل الصيد والسباحة ومصادر مياه الشرب.
وتشير الدراسة في الوقت نفسه إلى فرصة أوسع تتمثل في إعادة توظيف المخلفات الصناعية بدلًا من التعامل معها باعتبارها نفايات فقط.
وبالنسبة للمجتمعات المتضررة من المناجم المهجورة، يرى الباحثون أن المخلفات المتاحة محليًا يمكن أن تصبح جزءًا من استراتيجية أقل تكلفة لاستعادة الجداول الملوثة، لكن بشرط توافق خصائص هذه المواد مع الظروف الكيميائية والهيدرولوجية لكل موقع.
