قد يبدو سرّ بقاء الصبار في الصحراء واضحًا للوهلة الأولى: ساق سميكة تختزن المياه، تساعد النبات على الصمود حتى عودة الأمطار. لكن دراسة جديدة تكشف أن القصة ربما بدأت قبل ظهور هذه القدرة بوقت طويل، مع صبغة نباتية حمراء إلى صفراء تُعرف باسم «البيتالينات».
وينتمي الصبار إلى الفرع نفسه من النباتات المزهرة الذي يضم البنجر، وتنتج نسبة كبيرة من نباتات هذا الفرع صبغة البيتالينات، وهي مجموعة من الأصباغ لا توجد في أي فرع آخر من النباتات المزهرة.
وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن ظهور هذه الصبغة سبق تطور القدرة على تحمّل الجفاف في عدد من السلالات النباتية، ما يدفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن البيتالينات ربما كانت جزءًا من الابتكارات الفسيولوجية التي جعلت الانتقال إلى البيئات الجافة ممكنًا.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية New Phytologist، قاد الدراسة توم كارثرز، الذي أجرى العمل عندما كان باحثًا لما بعد الدكتوراه في جامعة ميشيغان، ويعمل حاليًا في جامعة كوليدج دبلن، بمشاركة ستيفن سميث، أستاذ علم البيئة والبيولوجيا التطورية في جامعة ميشيغان.
ويقول سميث إن النظر إلى الصبار باعتباره مجرد نبات تطوّر لتخزين المياه قد يكون تبسيطًا مفرطًا؛ إذ ربما اعتمدت قدرته على أن يصبح صبارًا على ابتكارات فسيولوجية ظهرت قبل ذلك بملايين السنين.
الصبغة ظهرت أربع مرات بصورة مستقلة
تستخدم معظم النباتات المزهرة مجموعة من المركبات المعروفة باسم الأنثوسيانينات لإنتاج الألوان النباتية، بينما تعتمد هذه المجموعة النباتية تحديدًا على البيتالينات للقيام بهذه الوظيفة.
وتضم المجموعة نحو 12 ألف نوع نباتي لا يجمع بينها تشابه كبير في الشكل أو نمط الحياة. ومن بينها الصبار ونباتات الجليد، إلى جانب البنجر والقرنفل والراوند و«مصائد فينوس» أو نباتات صائدة الذباب.
ولا تنتج جميع السلالات الموجودة في هذه المجموعة البيتالينات؛ إذ تشير الأدلة إلى أن هذه الصبغة تطورت بصورة مستقلة أربع مرات، وجميعها حدثت خلال العصر الطباشيري، عندما كانت الديناصورات لا تزال موجودة على الأرض.
وكان تحليل نُشر عام 2020 قد أشار إلى أن النباتات اكتسبت هذه الصبغة بصورة متكررة عبر تاريخها التطوري، بينما يفترض الباحثون حاليًا أنه لم تُفقد من أي سلالة بعد ظهورها.
تحمّل الجفاف جاء بعد ظهور الصبغة
لاختبار ترتيب الأحداث، بنى فريق البحث شجرة تطورية مؤرخة زمنيًا للمجموعة النباتية، بالاعتماد على بيانات الحمض النووي لأكثر من 4300 نوع حي، إلى جانب 14 حفرية.
وكانت معظم الحفريات عبارة عن حبوب لقاح، بينما شملت المجموعة أيضًا ثلاث ثمار متحجرة، ومجموعة من البذور، ونورة زهرية متحجرة. وقورنت هذه الحفريات بالنباتات الحديثة باستخدام 50 صفة جسدية.
أما المعلومات المتعلقة بالمواقع التي تنمو فيها النباتات، فاستُخرجت من عينات محفوظة في المتاحف والمعشبات النباتية. وقام الباحثون بربط أكثر من 1.7 مليون عينة نباتية مضغوطة ومجففة بخريطة مناخية قياسية.
واعتبر الباحثون النوع النباتي متحملًا للجفاف إذا كانت ثلاثة أرباع سجلات وجوده على الأقل تقع داخل مناطق قاحلة. ووفق هذا التعريف، صُنّف 1308 أنواع من أصل 3941 نوعًا تتوافر عنها بيانات كافية على أنها متحملة للجفاف.
لكن توزيع البيتالينات لم يكن متساويًا بين هذه النباتات.
فمن بين الأنواع المتحملة للجفاف، كان 75% منها ينتج البيتالينات، مقارنة بـ55% فقط في مجموعة البيانات بأكملها. وعند تضييق التعريف إلى المناطق الحارة والقاحلة، حيث يجتمع ارتفاع الحرارة مع انخفاض هطول الأمطار، ارتفعت النسبة إلى 85%.
ويرى سميث أن ترتيب ظهور الصفات يقدم تفسيرًا مهمًا لهذه العلاقة؛ إذ تظهر صبغة البيتالينات في السلالات التي أصبحت لاحقًا أكثر قدرة على تحمّل الجفاف في وقت مبكر، كما أن تحمّل الجفاف يتطور بوتيرة أسرع في السلالات التي تمتلك البيتالينات بالفعل.
وقال إن هذا النمط يتوافق بدرجة أكبر مع احتمال أن تكون البيتالينات قد ساعدت على تمهيد الانتقال إلى البيئات الجافة، بدلًا من أن تكون الصبغة مجرد نتيجة ظهرت بعد تطور القدرة على تحمّل الجفاف.
تخزين المياه ليس استراتيجية مجانية
عندما يفكر الناس في النباتات العصارية، سواء كانت نبتة منزلية صغيرة أو صبار الساغوارو العملاق، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الأنسجة السميكة الممتلئة بالمياه.
لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الصفة نادرًا ما تظهر منفردة داخل المجموعة التي درسها الباحثون.
فمن بين الأنواع العصارية التي شملتها الدراسة، كان 97% منها ينتج البيتالينات، بينما توزعت الاستثناءات القليلة على ثلاث عائلات نباتية.
وبين الأنواع المتحملة للجفاف، كان 66% منها يخزن المياه، مقارنة بـ45% فقط عبر مجموعة البيانات بأكملها.
غير أن تخزين المياه داخل الأنسجة ليس تكيفًا بلا تكلفة.
وأوضح كارثرز أن العصارية تمثل تكيفًا مكلفًا في كثير من الحالات، لأن النبات يحتاج إلى تكوين أوراق أو أنسجة سميكة وملئها بالمياه، وهو ما يرتبط بمجموعة من التكاليف الفسيولوجية.
وأظهرت النماذج التي طُبقت على الشجرة التطورية أن السلالات المتحملة للجفاف تفقد قدرتها على تخزين المياه بوتيرة أبطأ، في حين أن السلالات التي تكتسب البيتالينات تصبح أكثر ميلًا إلى تطوير هذه القدرة على تخزين المياه.
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن معظم التنوع النباتي الموجود حاليًا داخل الصبار ونباتات الجليد يقل عمره عن 5 ملايين سنة، وهو عمر حديث نسبيًا مقارنة بمجموعة نباتية يعود تاريخها إلى العصر الطباشيري.
سمة أخرى لم تتبع القاعدة
رصد الباحثون سمة ثانية تبدو أكثر تعقيدًا ولا تنسجم تمامًا مع النمط السابق.
ففي معظم النباتات، تنتظم الأنسجة التي تنقل المياه والمواد الغذائية صعودًا عبر الساق في شكل حلقة تحيط بالجزء المركزي منها. لكن العديد من الأنواع في المجموعة المدروسة تمتلك أيضًا حزمًا إضافية تمتد داخل قلب الساق، وتُعرف نباتيًا باسم «الحزم النخاعية».
ومن بين الأنواع المعروفة بامتلاك هذه الحزم، ينتج 87.5% منها البيتالينات، وهو ما يتوافق مع النمط العام للصبغة.
لكن العلاقة مع الجفاف اختفت هنا.
فحوالي 28% من الأنواع المتحملة للجفاف تمتلك هذه الحزم، وهي تقريبًا النسبة نفسها الموجودة في المجموعة النباتية ككل. كما لم يجد أي نموذج من النماذج التي اختبرها الفريق دليلًا يدعم وجود علاقة بين الحزم النخاعية والعيش في البيئات الجافة.
وقال كارثرز إن العلماء لا يفهمون حتى الآن بصورة كاملة الوظيفة التي تؤديها هذه الأنسجة، لكن من المعقول افتراض ارتباطها بنقل المياه أو تخزينها.
وأشار الباحثون إلى ضرورة التعامل بحذر مع هذه النتيجة، لأن الأدلة المتعلقة بالحزم النخاعية أقل بكثير من الأدلة المتاحة للصفات الأخرى. فقد جاءت سجلاتها من دراسة منفصلة شملت 591 نوعًا فقط، في حين تغطي البيانات المتعلقة بالصفات الأخرى آلاف الأنواع.
البيتالينات ليست الطريق الوحيد إلى الصحراء
لا تقول الدراسة إن البيتالينات شرط ضروري للعيش في البيئات القاحلة.
فعدد من السلالات النباتية الموجودة داخل المجموعة يعيش في مناطق جافة من دون أن ينتج البيتالينات، ويعتمد بدلًا من ذلك على الأنثوسيانينات التي تستخدمها معظم النباتات المزهرة.
وهناك نباتات أخرى، مثل بعض أنواع الندية، تتعامل مع الجفاف بطريقة مختلفة تمامًا، من خلال تكوين درنات تحت الأرض يمكن للنبات إعادة النمو منها بعد انتهاء فترة الجفاف.
وتظهر هذه الاختلافات أيضًا في النماذج الإحصائية؛ إذ كانت النماذج التي تربط تحمّل الجفاف بالبيتالينات بصورة مباشرة أقل توافقًا مع البيانات من النماذج التي تسمح بوجود مسارات تطورية متعددة.
وبمعنى آخر، يمكن للدرنات وتخزين المياه والأصباغ التقليدية وغيرها من الصفات أن تؤدي أدوارًا مختلفة في مساعدة النباتات على البقاء في الظروف القاحلة.
وتعترف الدراسة بثلاثة قيود أخرى مهمة.
أولها أن تحديد المناطق القاحلة اعتمد على خريطة مناخية واسعة النطاق، ولذلك قد لا تظهر فيها التفاصيل الدقيقة لبيئات مثل النتوءات الصخرية أو السواحل الرملية.
وثانيها أن تحديد النباتات التي تُعد عصارية ليس أمرًا بسيطًا دائمًا، بل يتضمن قدرًا من التقدير والحكم العلمي.
أما القيد الثالث فيتعلق بالشجرة التطورية نفسها؛ إذ لا تستطيع أي شجرة مبنية على الأنواع الحية أن تكشف السلالات التي انقرضت، ما يعني احتمال اختفاء بعض السلالات القديمة التي كانت متحملة للجفاف من الصورة التي يرسمها التحليل الحالي.
ابتكار قديم غيّر ما أصبح ممكنًا لاحقًا
يرى سميث أن أهمية النتيجة لا تقتصر على هذه المجموعة النباتية.
فالسلالات التي درسها الباحثون انتقلت إلى البيئات الجافة مرات عديدة خلال تاريخها التطوري، وتبدو البيتالينات جزءًا من الخلفية التطورية التي ربما جعلت بعض هذه الانتقالات ممكنة.
ويصف سميث الفكرة الأوسع بأنها مثال على «الاعتماد على المسار التاريخي» في التطور.
فابتكار تطوري يظهر في وقت مبكر يمكن أن يغير طبيعة التكيفات التي تصبح ممكنة بعد ملايين السنين.
وبذلك، قد لا يكون تخزين المياه هو بداية قصة الصبار، بل ربما كان نتيجة متأخرة لسلسلة من الابتكارات التي سبقت ظهور الشكل المعروف للصبار بزمن طويل.
الفرضية لم تُختبر تجريبيًا في النباتات
رغم قوة النمط الذي كشفته الشجرة التطورية، فإن الدراسة لا تقدم بعد تجربة مخبرية تثبت أن البيتالينات نفسها تجعل النباتات أكثر قدرة على مقاومة الجفاف.
فكل الاستنتاجات الحالية تستند إلى ترتيب ظهور الصفات عبر شجرة تطورية عميقة تمتد لأكثر من 100 مليون سنة.
وقد أظهرت تجارب مخبرية سابقة بالفعل أن البيتالينات يمكن أن تساعد النباتات على التعامل مع الإجهاد الملحي، بما في ذلك تجارب على نبات التبغ جرى تعديل قدرته وراثيًا لإنتاج هذه الصبغة.
لكن التجربة التي تختبر بصورة مباشرة تأثير البيتالينات على تحمّل الجفاف لم تُجرَ بعد.
ويرى سميث أن البداية المناسبة ستكون مقارنة نباتات متشابهة في كل شيء تقريبًا، باستثناء قدرتها على إنتاج البيتالينات، ثم تعريضها لظروف جفاف مضبوطة ومراقبة مؤشرات مثل البناء الضوئي، وتوازن المياه، وعلامات تلف الخلايا.
لكن الاختبار الأقوى، بحسب الباحث، سيكون التلاعب بإنتاج البيتالينات وراثيًا؛ إما بإزالتها من نبات ينتجها طبيعيًا، أو بإدخال القدرة على إنتاجها إلى نبات لا ينتجها عادة، ثم قياس ما إذا كان ذلك سيغير أداء النبات تحت ظروف الجفاف.
وحتى إجراء مثل هذه التجارب، تظل القضية العلمية قائمة أساسًا على الدليل التطوري: البيتالينات ظهرت أولًا، ثم ظهرت القدرة على تحمّل الجفاف في عدد من السلالات لاحقًا.
ولا تثبت هذه النتيجة وحدها أن الصبغة هي السبب المباشر في مقاومة الجفاف، لكنها تفتح بابًا مهمًا لفهم كيف يمكن لابتكار كيميائي قديم أن يمهّد، بعد ملايين السنين، الطريق أمام نباتات قادرة على الحياة في أكثر البيئات قسوة.
