لأول مرة.. العلماء يرسمون خريطة لأضخم شبكة حية مخفية تحت سطح الأرض

اكتشاف مذهل: 70% من نباتات الأرض متصلة بشبكة فطرية عملاقة تحت التربة

في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح باحثون في رسم أول خريطة عالمية لشبكة فطرية هائلة تمتد تحت سطح الأرض، وتُعد واحدة من أكبر الأنظمة الحية على الكوكب، حيث ترتبط بجذور نحو 70% من النباتات الأرضية وتؤدي دورًا محوريًا في دورة المغذيات وتخزين الكربون والحفاظ على استقرار النظم البيئية.

ورغم أن تطبيقات الخرائط الحديثة قادرة على تتبع الطرق والأنهار والغابات وحتى البنية التحتية البشرية، فإن أحد أكبر الأنظمة البيولوجية على الأرض ظل مجهول التوزيع حتى الآن.
ويتعلق الأمر بشبكة من الفطريات المجهرية التي تنتشر في التربة حول جذور النباتات وتعمل كجسر حيوي لتبادل العناصر الغذائية والمياه.

شبكة فطرية بطول يفوق الخيال

شبكة فطرية

 

تنتمي هذه الشبكة إلى فطريات الميكوريزا، وهي كائنات تعيش في علاقة تكافلية مع النباتات.
وعلى عكس الفطر المرئي الذي يظهر فوق سطح الأرض بعد هطول الأمطار، فإن الجزء الأكبر من هذه الكائنات يتكون من خيوط دقيقة للغاية تُعرف باسم “الهيفات”، وهي أنابيب مجهرية يقل سمكها عن شعرة الإنسان.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science، لتكشف للمرة الأولى ملامح عالم هائل كان مخفيًا بالكامل تحت أقدام البشر.

وتشير التقديرات الجديدة إلى أن إجمالي طول هذه الخيوط في الطبقة السطحية من تربة الأرض يصل إلى نحو 110 كوادريليون كيلومتر، وهو رقم هائل يعادل ما يقرب من مليار مرة المسافة بين الأرض والشمس، ويمتد لمسافة تعادل عُشر عرض مجرة درب التبانة.

وأوضح جاستن ستيوارت، عالم الأحياء التطورية في جمعية حماية الشبكات الجوفية، أن ملعقة صغيرة واحدة من التربة قد تحتوي على نحو 10 أمتار من هذه الخيوط الفطرية، بينما يفوق الوزن الإجمالي لهذه الشبكات أربعة إلى ستة أضعاف الوزن الكلي لجميع البشر الأحياء على الكوكب.

كيف رسم العلماء خريطة العالم الخفي؟

اعتمد الباحثون على أكثر من 16 ألف عينة تربة جُمعت من أكثر من 300 دراسة سابقة شملت جميع القارات وتسعة أنواع رئيسية من البيئات الطبيعية.

واستخدم الفريق هذه البيانات لتدريب نموذج حاسوبي متقدم قادر على تقدير كثافة الشبكات الفطرية في كل كيلومتر مربع تقريبًا، مع الأخذ في الاعتبار عوامل متعددة مثل المناخ، وتركيب التربة الكيميائي، والغطاء النباتي السائد.

وللتحقق من دقة النموذج، استعان العلماء بمعهد “أمولف” الهولندي، حيث تمت زراعة فطريات حية وتصوير نموها باستخدام كاميرات روبوتية متخصصة. وأسفرت التجارب عن قياس أكثر من 300 ألف خيط فطري، ما ساعد في ربط التقديرات الحاسوبية بالسلوك الحقيقي للفطريات في الطبيعة.

ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الخريطة لا تزال في مراحلها الأولى، إذ ما زالت بعض المناطق، مثل الصحارى والغابات المطيرة الاستوائية، تعاني نقصًا في البيانات، وهو ما يأمل العلماء في معالجته خلال السنوات المقبلة.

تجارة حيوية تدعم الحياة

تعتمد النباتات والفطريات على علاقة تبادلية معقدة تعود بالنفع على الطرفين. فالفطريات تزود النباتات بالمياه والعناصر الغذائية التي تستخلصها من التربة، بينما تحصل في المقابل على السكريات التي تنتجها النباتات عبر عملية البناء الضوئي.

وتُظهر الدراسات أن الجذور المرتبطة بهذه الشبكات تستطيع استكشاف مساحة من التربة تزيد بنحو 100 مرة على ما يمكنها الوصول إليه بمفردها، كما يمكن للفطريات توفير أكثر من 80% من احتياجات النبات من عنصر الفوسفور.

ولا تقتصر فوائد هذه الشبكات على النباتات فحسب، بل تمتد إلى النظام المناخي العالمي.
فبحسب الدراسة، تنقل فطريات الميكوريزا سنويًا نحو 3.6 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون إلى التربة، وهو ما يعادل قرابة عُشر الانبعاثات الكربونية التي يطلقها البشر إلى الغلاف الجوي كل عام.

المفاجأة الكبرى.. المراعي تتفوق على الغابات المطيرة

المراعي

خلافًا للتوقعات، لم تكشف الخريطة عن أعلى كثافة للفطريات تحت الغابات الاستوائية المطيرة، بل تحت المراعي الطبيعية المنتشرة حول العالم.

وتشير التقديرات إلى أن هذه البيئات تحتضن نحو 40% من إجمالي الكتلة الفطرية العالمية، مع تسجيل أعلى الكثافات في هضبة التبت والأراضي الرطبة في جنوب السودان ومنطقة إيفرجلادز بولاية فلوريدا الأمريكية.

ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى أن النباتات العشبية تنقل جزءًا كبيرًا من الكربون الذي تنتجه إلى شركائها الفطريين، إضافة إلى امتلاكها جذورًا عميقة تسهم في تخزين الكربون داخل التربة لفترات طويلة حتى بعد الحرائق السطحية.

وقال ستيوارت: “هذه المراعي تمثل في الواقع أكثر الغابات الفطرية كثافة على وجه الأرض، لكنها تقع بالكامل تحت أقدامنا”.

الزراعة الحديثة تهدد العالم الخفي

الزراعة الحديثة

كشفت الدراسة أيضًا عن تأثير واضح للأنشطة الزراعية على هذه الشبكات الحيوية.
فقد أظهرت البيانات أن كثافة الخيوط الفطرية في الأراضي الزراعية الكبرى تقل بنحو 50% مقارنة بالمناطق الطبيعية غير المضطربة.

ويعتقد العلماء أن الحرث المستمر قد يؤدي إلى تمزيق الخيوط الفطرية، بينما قد يقلل الاستخدام المكثف للأسمدة من اعتماد النباتات على الفطريات، كما يمكن لبعض المبيدات الفطرية أن تضر بهذه الكائنات مباشرة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن المراعي الطبيعية، التي تضم أكبر كثافة من هذه الشبكات، تختفي نتيجة التوسع الزراعي بمعدل يزيد أربع مرات على معدل فقدان الغابات، رغم أنها تُعد من أقل النظم البيئية حماية على مستوى العالم.

أداة جديدة لحماية المناخ والتنوع الحيوي

تمثل الخريطة الجديدة خطوة مهمة نحو فهم أحد أكثر الأنظمة البيولوجية غموضًا على الأرض.
وللمرة الأولى أصبح بإمكان العلماء تحديد المناطق التي تحتوي على أعلى كثافة من الشبكات الفطرية ومراقبة التغيرات التي تطرأ عليها بمرور الوقت.

ويمكن أن تساعد هذه البيانات في توجيه جهود حماية التنوع الحيوي، وتطوير ممارسات زراعية أكثر استدامة، وتحسين استراتيجيات تخزين الكربون الطبيعي لمواجهة تغير المناخ.

وأكدت توبي كيرز، المديرة التنفيذية لجمعية حماية الشبكات الجوفية، أن الفطريات ظلت لعقود طويلة خارج حسابات سياسات المناخ والحفاظ على الطبيعة، مضيفة أن الوقت قد حان للاعتراف بالدور الحيوي الذي تؤديه هذه الكائنات في استقرار النظم البيئية العالمية.

Exit mobile version