تشهد أسواق النفط العالمية في فترات التوترات الجيوسياسية، مثل الحرب الدائرة حول إيران وأزمة مضيق هرمز، واحدة من أكبر موجات المضاربة المالية في التاريخ الحديث، حيث تتحول تقلبات الأسعار إلى مصدر أرباح ضخمة لصناديق التحوط ومديري الأصول في الولايات المتحدة وبريطانيا، وعلى رأسهم مؤسسات مثل «بلاك روك» و«فانجارد» و«ستيت ستريت».
فبينما ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاطر، تتحرك مراكز التداول في بورصتي شيكاغو ولندن بسرعة لالتقاط فرص الربح من العقود الآجلة والمشتقات، في سوق يُقدَّر أنه يحدد فعليًا تسعير النفط العالمي عبر خامي «برنت» و«غرب تكساس».
ويكمن جوهر الأرباح هنا في أن النفط لم يعد مجرد سلعة مادية، بل أصل مالي يُتداول عبر أدوات معقدة مثل العقود الآجلة والخيارات والتحوط، ما يفتح الباب أمام أرباح سريعة تعتمد على التوقيت والمعلومات أكثر من ارتباطها بالإنتاج الفعلي.
كيف تتحول الحرب إلى أرباح؟
تُظهر بيانات وتحليلات اقتصادية أن ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمات الكبرى، مثل أزمة 2022 الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، أدى إلى أرباح قياسية لقطاع النفط والغاز تجاوزت 900 مليار دولار عالميًا، ذهب نحو ثلثها لشركات أمريكية فقط.
لكن الجزء الأهم من هذه المكاسب لم يكن من نصيب شركات الإنتاج وحدها، بل من نصيب مديري الأصول وصناديق الاستثمار، الذين يسيطرون على حصة ضخمة من الأسهم العالمية في قطاع الطاقة، ويستفيدون من ارتفاع الأسعار في جميع الاتجاهات.
ووفق تقديرات اقتصادية، فإن مؤسسات إدارة الأصول الكبرى استحوذت على عشرات المليارات من أرباح قطاع الطاقة في الولايات المتحدة وحدها خلال فترات الذروة السعرية، مستفيدة من امتلاكها حصصًا واسعة في شركات متنافسة، ما يضمن تحقيق أرباح في كل السيناريوهات تقريبًا.
اللاعب الأكبر: وول ستريت
في قلب هذه المنظومة تقف بورصة شيكاغو كمركز رئيسي لتسعير خام غرب تكساس، بينما تمثل بورصة لندن مركز تسعير خام برنت، وهما المعياران الأساسيان في سوق النفط العالمية.
وتتحول عقود النفط في هذه الأسواق إلى أدوات مضاربة نشطة، خاصة خلال الأزمات، حيث ترتفع أحجام التداول بشكل حاد مع كل تصريح سياسي أو عسكري يؤثر على الإمدادات، بما في ذلك التوترات حول مضيق هرمز أو الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
وتشير تقارير مالية إلى أن أي إشارات سياسية مفاجئة، مثل تصريحات حول وقف أو تصعيد الحرب، يمكن أن تؤدي إلى تداول ملايين البراميل خلال دقائق معدودة، ما يخلق فرصًا هائلة للربح السريع داخل دوائر مالية محدودة.
تركيز الثروة في القمة
تكشف الدراسات الاقتصادية أن هذه المكاسب لا تتوزع بشكل متكافئ، بل تتركز بشكل كبير في أيدي كبار المستثمرين.
ففي أزمة الطاقة عام 2022، ذهب نحو 50% من الأرباح العالمية إلى أغنى 1% من السكان، بينما استحوذ أغنى 10% على أكثر من 80% من المكاسب، في حين حصلت الشرائح الدنيا على نسب هامشية لا تكاد تُذكر.
كما أن الأسر البيضاء في الولايات المتحدة حصلت على النسبة الأكبر من عوائد هذه الطفرات، نتيجة سيطرتها على الحصص الاستثمارية في صناديق التقاعد والأسواق المالية.
الحرب كفرصة مالية
في هذا السياق، لا تُعد الحروب مجرد صدمات اقتصادية، بل محفزات لإعادة توزيع الثروة نحو الأعلى، حيث يستفيد المستثمرون الكبار من تقلبات السوق، بينما يتحمل المستهلكون والشركات الصغيرة العبء الأكبر عبر ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.
وتشير التحليلات إلى أن تركّز الملكية في أصول الطاقة لدى مؤسسات مالية عملاقة مثل «بلاك روك» يجعلها في موقع مستفيد مباشر من أي موجة صعود في الأسعار، سواء في الإنتاج أو التداول أو المشتقات المالية.
الخلاصة
بين شيكاغو ولندن، وبين وول ستريت وأسواق الطاقة، تتحول الحروب في الشرق الأوسط من أزمات جيوسياسية إلى فرص مالية ضخمة، تعيد تشكيل الثروات عالميًا، وتُكرّس فجوة متزايدة بين القمة الاقتصادية وبقية العالم.
