تواجه الشركات حول العالم تحديًا متزايدًا في كيفية الإعلان عن إنجازاتها والتزاماتها المتعلقة بالاستدامة، في ظل تشديد الرقابة على الادعاءات البيئية والمناخية، وتصاعد مخاطر التضليل المعروف باسم «الغسل الأخضر»، بالتزامن مع ظهور ظاهرة معاكسة تتمثل في إحجام الشركات عن الحديث عن إنجازاتها البيئية الحقيقية خوفًا من التعرض للانتقادات أو اتهامات المبالغة.
وبين الإفراط في الترويج للإنجازات البيئية والتقليل من شأنها أو التزام الصمت بشأنها، تجد الشركات نفسها أمام معادلة صعبة تتطلب تحقيق التوازن بين الشفافية والمصداقية، وتقديم معلومات مدعومة بأدلة موثوقة يمكن التحقق منها.
وفي تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي، تناولت إليانور روس، مديرة تحالف مستقبل الغابات والتحالف العالمي للغابات الاستوائية التابع للمنتدى، التحديات التي تواجه التواصل المؤسسي بشأن الاستدامة، في ظل القواعد الأوروبية الجديدة التي تستهدف حماية المستهلكين من الادعاءات البيئية المضللة.
ما الغسل الأخضر وكيف تستخدمه الشركات؟
يشير مصطلح «الغسل الأخضر» إلى الممارسات التي تستخدمها الشركات لتقديم منتجاتها أو خدماتها أو سياساتها باعتبارها صديقة للبيئة أو أكثر استدامة مما هي عليه في الواقع، من خلال المبالغة في الإنجازات البيئية أو إخفاء التأثيرات السلبية لأنشطتها.
وتتخذ هذه الممارسات أشكالًا متعددة، بعضها واضح، مثل إعلان المؤسسات المالية أنها تركز استثماراتها على الطاقة المتجددة، رغم استمرار استثماراتها في الوقود الأحفوري، بينما تعتمد ممارسات أخرى على رسائل تسويقية وصور وعبارات توحي بأداء بيئي إيجابي دون تقديم أدلة كافية.
ومن أمثلة ذلك استخدام مواقع مقارنة أسعار الرحلات الجوية اللون الأخضر للإيحاء بأن بعض الرحلات أقل تأثيرًا على البيئة، أو إعلان شركة عن أهداف للوصول إلى الحياد الصفري دون تقديم استراتيجية واضحة وقابلة للتحقق لتحقيق هذه الأهداف.
كما يمكن أن يدخل ضمن الغسل الأخضر استخدام صورة شجرة أو غابة في حملة إعلانية تتحدث عن الاستدامة، رغم عدم تحقيق الشركة إنجازات بيئية ملموسة، أو إعلان شركة لتأجير السيارات عن إضافة مركبات كهربائية إلى أسطولها، بينما لا تزال غالبية سياراتها تعمل بالبنزين.
وتزداد أهمية هذه الممارسات في ظل تشديد الرقابة على الرسائل البيئية، إذ لم يعد مجرد استخدام المصطلحات أو الصور ذات الطابع الأخضر كافيًا لإثبات التزام الشركات بالاستدامة.
التوجيه الأوروبي الجديد يضع الادعاءات البيئية تحت الرقابة
يمثل توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن تمكين المستهلكين من التحول الأخضر (EmpCo) خطوة مهمة في مواجهة الادعاءات البيئية المضللة، إذ يستهدف حماية المستهلكين من المعلومات والملصقات التي تقدم المنتجات أو الخدمات باعتبارها أفضل للبيئة دون وجود أدلة تدعم ذلك.
ويفرض التوجيه قيودًا على استخدام الادعاءات البيئية العامة، مثل «صديق للبيئة» و«أخضر» و«صديق للمناخ»، ما لم تكن مدعومة بأدلة موثوقة وواضحة.
ويعني ذلك أن الشركات مطالبة بتقديم معلومات محددة بشأن الأثر البيئي لمنتجاتها وخدماتها، بدلًا من الاعتماد على عبارات عامة قد تعطي المستهلك انطباعًا مضللًا عن مستوى الاستدامة.
ومن أبرز المصطلحات والادعاءات التي تتطلب مزيدًا من التدقيق:
1- أخضر وصديق للبيئة وصديق للمناخ:
تزداد مخاطر استخدام هذه المصطلحات كلما كانت عامة وغير محددة، لأنها قد توحي بأن المنتج أو الخدمة أو الشركة بأكملها لا تترك آثارًا بيئية سلبية. ولذلك ينبغي تجنبها ما لم تستطع الشركة تقديم أدلة واضحة تثبت صحة الادعاء.
2- مستدام:
يتعين على الشركات تحديد الجانب المقصود من الاستدامة، سواء كان بيئيًا أو اجتماعيًا أو متعلقًا باستخدام الموارد، مع توضيح الأدلة التي تدعم هذا الوصف، نظرًا لاتساع نطاق المصطلح وتعدد تأثيراته.
3- الحياد الصفري:
لا يكفي الإعلان عن هدف للوصول إلى صافي انبعاثات صفري، بل يجب توضيح الموعد المستهدف، ونطاق الانبعاثات المشمولة، والمسار المحدد لخفضها، ودور تعويضات الكربون أو عمليات إزالة الكربون في تحقيق الهدف.
وتحتاج الأهداف المستقبلية إلى عناية خاصة، لأن المستهلكين قد يتعاملون معها باعتبارها التزامات مؤكدة وليست مجرد طموحات معلنة.
4- الحياد الكربوني أو المناخي:
تتطلب هذه الادعاءات تدقيقًا خاصًا، لأنها قد توحي بأن المنتج أو النشاط لا يتسبب في أي تأثير مناخي. ولذلك يجب الإفصاح عن كيفية تحقيق الحياد، بما في ذلك دور أرصدة الكربون وآليات التعويض وإزالة الانبعاثات.
5- قابل للتحلل الحيوي:
ينبغي تحديد المادة المقصودة، والظروف التي تتحلل في ظلها، والفترة الزمنية اللازمة لذلك، لأن استخدام المصطلح بصورة عامة قد يعطي المستهلك انطباعًا خاطئًا بأن المنتج يتحلل طبيعيًا في جميع البيئات.
6- كفاءة استخدام الطاقة:
يجب توضيح العنصر الذي يتمتع بالكفاءة، والمنتج أو المعيار الذي تجري المقارنة معه، مع تقديم أرقام قابلة للقياس أو الاستناد إلى معايير معترف بها، بدلًا من الاكتفاء بوصف عام.
7- الصور والرموز الخضراء:
لا تقتصر الادعاءات البيئية على الكلمات، إذ يمكن أن تسهم صور الأشجار والغابات والمناظر الطبيعية واستخدام درجات اللون الأخضر في تكوين انطباع لدى المستهلك بأن المنتج أو الشركة صديقان للبيئة.
ولذلك يتعين تقييم الرسالة التسويقية بالكامل، بما يشمل النصوص والصور والتصميمات، وليس الكلمات المستخدمة وحدها.
الصمت الأخضر.. عندما تخشى الشركات الحديث عن إنجازاتها البيئية
في مقابل الغسل الأخضر، ظهرت ظاهرة تعرف باسم «الصمت الأخضر» (Greenhushing)، وتشير إلى إحجام الشركات عن الإعلان عن إنجازاتها أو التزاماتها المتعلقة بالاستدامة، خوفًا من التعرض لاتهامات بالتضليل البيئي أو المبالغة في النتائج.
وتزداد هذه الظاهرة مع تشديد الرقابة على الادعاءات المناخية، إذ قد تدفع المخاوف القانونية والانتقادات المحتملة بعض الشركات إلى تبني سياسة الصمت، حتى عندما تمتلك إنجازات بيئية حقيقية يمكن توثيقها.
ويحذر التحليل من أن الإفراط في الحذر قد يؤدي إلى تقليص جهود الشركات في التواصل بشأن الاستدامة، أو حتى تراجع الاهتمام ببعض المبادرات البيئية، بدلًا من تحسين طريقة الإعلان عنها.
وكشف تقرير «الوجهة نحو صافي الصفر» الصادر عن مؤسسة ساوث بول للفترة 2023-2024، استنادًا إلى استطلاع شمل أكثر من 1400 شركة في 12 دولة و14 قطاعًا اقتصاديًا، أن 58% من الشركات تتعمد تقليل تواصلها بشأن قضايا المناخ.
كما قالت 44% من الشركات إن الإعلان عن أهدافها المناخية أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يعكس تزايد المخاوف المرتبطة بالموازنة بين أهمية التواصل بشأن الاستدامة ومخاطر الوقوع في أخطاء أو ادعاءات غير مدعومة.
وفي السياق نفسه، أظهر تقرير «الحياة الصحية والمستدامة 2025» الصادر عن مؤسسة جلوب سكان، استنادًا إلى استطلاع تمثيلي لأكثر من 30 ألف مستهلك في 31 سوقًا، أن 36% فقط من المستهلكين رصدوا رسائل تتعلق بالاستدامة من العلامات التجارية خلال عام 2025، مقارنة بـ49% في عام 2023.
وتشير هذه النتائج إلى تراجع حضور الرسائل المتعلقة بالاستدامة في التواصل بين الشركات والمستهلكين، في وقت تزداد فيه أهمية المعلومات البيئية الموثوقة لمساعدة الأفراد على اتخاذ قرارات استهلاكية أكثر استدامة.
كيف تتجنب الشركات الغسل الأخضر وتحافظ على مصداقيتها؟
يتطلب التواصل الموثوق بشأن الاستدامة تجاوز الشعارات التسويقية العامة، والاعتماد على معلومات دقيقة ومدعومة بأدلة قابلة للتحقق، مع ضرورة مراجعة البيانات قبل نشرها والتأكد من أن الرسائل الإعلامية تعكس الأداء الفعلي للشركة.
ومن أبرز الخطوات التي تساعد الشركات على تحقيق ذلك:
– تحديد الادعاءات البيئية بدقة: استخدام عبارات محددة توضح الإنجاز الفعلي بدلًا من المصطلحات العامة التي قد تحمل أكثر من تفسير.
– الاستناد إلى بيانات موثوقة: تقديم أرقام ومؤشرات قابلة للقياس، مع توضيح مصادر البيانات والمنهجيات المستخدمة.
– توضيح نطاق الإنجاز: عدم تعميم نتائج مشروع محدود على أنشطة الشركة بالكامل، أو تقديم تحسن جزئي باعتباره تحولًا شاملًا.
– الإفصاح عن أهداف المناخ: توضيح الجداول الزمنية وخطط خفض الانبعاثات والوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف المستقبلية.
– مراجعة الصور والرسائل التسويقية: التأكد من أن العناصر البصرية لا تعطي انطباعات بيئية تتجاوز ما تثبته البيانات.
– التحقق من المعلومات داخليًا: عدم قبول البيانات المقدمة من فرق العمل أو الإدارات التسويقية باعتبارها صحيحة تلقائيًا، بل إخضاعها للمراجعة والتحقق قبل نشرها.
الشفافية تحمي الشركات من الغسل الأخضر والصمت البيئي
يحذر التحليل من أن الصمت عن الإنجازات المناخية الحقيقية لا يقل خطورة من المبالغة في الادعاءات البيئية، إذ قد يؤدي إلى اختفاء النماذج الإيجابية من المشهد، ويقلل فرص استفادة المستهلكين والموظفين والمستثمرين من المعلومات التي تساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر استدامة.
كما قد يحرم الشركات من تحويل إنجازاتها البيئية الفعلية إلى مكاسب تتعلق بالسمعة والثقة وجذب العملاء والكفاءات، فضلًا عن إضعاف قدرتها على تشجيع شركائها ومورديها على تبني ممارسات أكثر استدامة.
وتكمن المخاطرة الأكبر في أن انسحاب الشركات التي تمتلك إنجازات بيئية موثوقة من النقاش العام قد يترك المجال أمام الأصوات الأكثر صخبًا، ويجعل التمييز بين التقدم الحقيقي والادعاءات غير الموثوقة أكثر صعوبة.
وبالتالي، لا يتمثل الحل في تقليل الحديث عن الاستدامة، وإنما في تطوير أساليب التواصل بحيث تصبح أكثر دقة وشفافية، وتستند إلى أدلة قابلة للتحقق، بما يحافظ على ثقة المستهلكين ويضمن عدم الخلط بين الإنجازات البيئية الفعلية والوعود التسويقية.
