قمح مُعدل جينيًا يحوّل ميكروبات التربة إلى مصانع سماد طبيعية
وداعًا للأسمدة الكيماوية؟ قمح معدل وراثيًا يوفّر الغذاء ويحمي البيئة
في إنجاز علمي قد يغير مستقبل الزراعة عالميًا، تمكن فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا – ديفيس بقيادة البروفيسور إدواردو بلوموالد من تطوير قمح معدل وراثيًا باستخدام تقنية كريسبر، بحيث يستطيع تحفيز ميكروبات التربة على تثبيت النيتروجين من الهواء وتحويله إلى صورة غذائية جاهزة للنبات.
الفكرة تقوم على مضاعفة إنتاج القمح لمركب طبيعي يُسمى أبيجينين (وهو أحد الفلافونات). يحتفظ النبات بجزء منه لاحتياجاته، بينما يُفرز الباقي في التربة.
عندها تستجيب البكتيريا المحيطة بالجذور بتكوين أغشية حيوية لزجة تُقلل من مستوى الأكسجين حولها، ما يحمي إنزيم نيتروجيناز المسؤول عن تثبيت النيتروجين، بهذه الطريقة يتحول النيتروجين الجوي إلى أمونيوم يستطيع النبات امتصاصه مباشرة.

لماذا هذا الاكتشاف مهم؟
• مشكلة الأسمدة النيتروجينية:
القمح وحده يستهلك نحو 18% من الأسمدة النيتروجينية عالميًا.
ومع ذلك، لا تمتص النباتات سوى 30–50% من الكمية المستخدمة، بينما يتسرب الباقي إلى الأنهار والبحار في صورة نترات تسبب المناطق الميتة، أو يتبخر كغاز أكسيد النيتروز، أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
• التكلفة الاقتصادية:
بلغت فاتورة الأسمدة في الولايات المتحدة عام 2023 نحو 36 مليار دولار.
وبحسب تقديرات بلوموالد، فإن خفض استخدام الأسمدة بنسبة 10% فقط سيوفر ما يزيد على مليار دولار سنويًا، إلى جانب تقليل استهلاك الوقود وخفض الضغط التنظيمي الناتج عن التلوث.

• البعد الاجتماعي والإنساني:
يقول بلوموالد: “في إفريقيا مثلًا، لا يستخدم المزارعون الأسمدة ببساطة لأنهم لا يملكون ثمنها، وأغلب المزارع صغيرة المساحة، تخيل أن تزرع نباتات توفر سمادها بنفسها عن طريق تنشيط البكتيريا في التربة. هذا تغيير جذري.”

قمح يتعلم من البقوليات
البقوليات مثل الفول والبازلاء تمتلك “عُقدًا جذرية” صغيرة تحتضن بكتيريا مثبتة للنيتروجين في بيئة منخفضة الأكسجين، لكن القمح والحبوب الأخرى تفتقر إلى هذه الميزة، وعلى مدار عقود حاول العلماء إدخال هذه الخاصية إلى الحبوب دون نجاح كبير.
النهج الجديد الذي اتبعه فريق بلوموالد مختلف: لم يحاولوا إدخال عُقد جذرية للقمح، بل ركّزوا على تنشيط الميكروبات الحرة الموجودة أصلاً في التربة.
النتيجة أن القمح أصبح قادرًا على التحكم في بيئته الميكروبية: ينتج المركب، يطلقه في الوقت المناسب، ويستفيد من النيتروجين المثبت، دون الحاجة إلى إضافات خارجية أو بكتيريا مُدخلة.
تأثيرات بيئية واسعة
إذا ما نجح تطبيق هذا الاكتشاف على نطاق واسع:
• تراجع التلوث المائي الناتج عن جريان الأسمدة إلى الأنهار والبحار.
• انخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة من صناعة الأسمدة واستخدامها.
• تحسين صحة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمغذيات.
• تعزيز الأمن الغذائي في المناطق الفقيرة التي تعاني نقص الأسمدة.

التحديات المقبلة
ما زال الطريق طويلًا أمام هذه التقنية لتنتقل من التجارب المعملية إلى الحقول التجارية. الباحثون بحاجة إلى:
• اختبارها في أنواع مختلفة من التربة والمناخات.
• ضمان ثبات النتائج عبر مواسم زراعية متعددة.
• دراسة تأثيرها على التنوع البيولوجي في التربة.
• التأكد من أن جودة وإنتاجية الحبوب تبقى عالية.
لكن الميزة الكبرى أن التعديل لا يعتمد على إدخال جينات غريبة، بل على تعزيز مركب موجود أصلًا في القمح، ما قد يسهل الإجراءات التنظيمية.
خلاصة
القمح المعدل وراثيًا الذي يُفعّل “مصانع سماد ميكروبية” في التربة قد يمثل ثورة في عالم الزراعة، فهو يَعِدُ بخفض التكاليف، تقليل التلوث، وزيادة الإنتاجية، خاصة في المناطق التي تعجز عن شراء الأسمدة.
وإذا ثبت نجاحه على نطاق واسع، فقد يشكل أداة فعالة في مواجهة تحديات الأمن الغذائي وتغير المناخ في القرن الحادي والعشرين.





