عالمة بيئة تتحدى المفاهيم التقليدية: الغابات كائنات ذكية تتواصل تحت الأرض

“الأشجار الأم”.. فكرة ثورية قد تغير طريقة إدارة الغابات عالميًا

في عام 2018، كانت عالمة البيئة والكاتبة سوزان سيمارد تجري أبحاثًا في غابات جبال كاريبو غرب كندا عندما ضربت عاصفة رعدية المنطقة. كانت برفقة ابنتيها المراهقتين وصديقتها وزميلتها الباحثة جان روتش. رأين وميض البرق وسمعن دوي الرعد، ثم شممن رائحة الدخان.

اضطررن إلى الركض لمسافة نصف كيلومتر نحو شاحنة سيمارد بينما كانت الأشجار خلفهن تشتعل بالنيران ويزداد الهواء كثافة بالدخان.

وخلال هروبهن خرجت الحيوانات من الغابة مذعورة، من بينها غزال وأرنب وذئب رمادي. وعندما وصلن إلى الشاحنة كن مغطيات بالسخام والغبار، بينما كانت المروحيات تحلق في السماء لإخماد الحرائق بالمياه.

حرائق متزايدة بفعل المناخ وتغير الغابات

أصبحت حرائق الغابات مشكلة متفاقمة في كندا خلال السنوات الأخيرة. فقد سجل عام 2018 أكبر حرائق في تاريخ مقاطعة بريتش كولومبيا، ثم تحطم هذا الرقم في 2021، ثم مرة أخرى في 2023 عندما التهمت الحرائق مساحة تعادل ثلاثة أضعاف مقاطعة نوفا سكوشا، ووصل دخانها إلى مدينة نيويورك.

ولا يرجع السبب فقط إلى ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الصيف نتيجة تغير المناخ، بل أيضًا إلى تغير تركيبة الغابات. فبعد قطع الأشجار تعيد شركات الأخشاب زراعة أنواع صنوبرية سريعة النمو، لكنها أكثر قابلية للاشتعال مقارنة بالغابات الأصلية المتنوعة.

فهم دورة الحياة في الطبيعة يتطلب أيضًا فهم الموت والتجدد

الغابات من “مخزن للكربون” إلى مصدر للانبعاثات

لطالما اعتُقد أن غابات كندا الشاسعة قادرة على التعافي تلقائيًا من أي نشاط بشري. لكن الواقع أثبت عكس ذلك؛ فنتيجة لقطع الأشجار والحرائق وانتشار خنفساء الصنوبر، تحولت هذه الغابات منذ عام 2001 من مخزن ضخم للكربون إلى مصدر صافٍ للانبعاثات.

تقول سيمارد إن قطع الغابات يقوض قدرة الطبيعة على المساعدة في مواجهة تغير المناخ، مضيفة أن الأشجار والنباتات والطحالب تمثل نظمًا طبيعية فعالة للغاية في امتصاص الكربون، وربما أكثر كفاءة من تقنيات احتجاز الكربون الصناعية التي تستثمر فيها الحكومات مليارات الدولارات.

نظرية “شبكة الخشب العالمية”

تشير أبحاث سيمارد إلى أن الأشجار ليست كائنات منفصلة تتنافس على الموارد، بل تشكل مجتمعًا مترابطًا يتواصل عبر شبكة فطرية تحت الأرض تعرف باسم الميكورايزا.

هذه الشبكة تسمح للأشجار بتبادل العناصر الغذائية والمواد الكيميائية، وهو ما دفع العلماء إلى تسمية هذا النظام شبكة الخشب العالمية تشبيهًا بالإنترنت.

وتطلق سيمارد على أكبر الأشجار وأكثرها اتصالًا اسم “الأشجار الأم” لأنها تلعب دورًا محوريًا في دعم الأشجار الصغيرة المحيطة بها، من خلال نقل الكربون والعناصر الغذائية عبر الشبكة الفطرية.

عالمة البيئة سوزان سيمارد داخل غابة كندية كثيفة أثناء دراسة شبكة الفطريات

اكتشاف علمي أثار اهتمام العالم

في عام 1997 نشرت سيمارد بحثًا علميًا مهمًا في مجلة Nature، أوضحت فيه كيف تتبادل أشجار التنوب والبتولا الكربون فيما بينها عبر الفطريات في التربة.

وقد أثار البحث اهتمامًا عالميًا واسعًا لأنه قدم تصورًا جديدًا لطبيعة الغابات، باعتبارها نظمًا اجتماعية مترابطة وليست مجرد تجمعات من الأشجار المتنافسة.

لاحقًا ألهمت هذه الفكرة كتبًا علمية شهيرة وأعمالًا أدبية، كما قدمت سيمارد محاضرة شهيرة في مؤتمر TED بعنوان “كيف تتحدث الأشجار مع بعضها البعض”، والتي حققت ملايين المشاهدات.

جدل علمي وانتقادات حادة

لكن نجاح أفكارها لم يمنع الجدل العلمي، فبعد نشر كتابها الشهير Finding the Mother Tree واجهت سيمارد انتقادات قوية من بعض العلماء، الذين اعتبروا أن الأدلة العلمية لا تزال غير كافية لإثبات بعض استنتاجاتها.

بل إن أحد المنتقدين أرسل رسالة إلى جامعتها يشكك في نزاهتها العلمية، كما تواصل مع وسائل إعلام مطالبًا بحذف المقالات التي تناولت عملها.

وتقول سيمارد إن هذا النوع من ردود الفعل يحدث غالبًا عندما تظهر أفكار جديدة تتحدى النظريات السائدة.

عالمة البيئة سوزان سيمارد تقف داخل غابة كندية كثيفة أثناء دراسة شبكة الفطريات

العلم في مواجهة أزمة المناخ

تعتقد سيمارد أن المنهج العلمي التقليدي، رغم أهميته، قد يتحرك ببطء شديد مقارنة بسرعة أزمة المناخ. وتشير إلى أن التركيز المفرط على دراسة التفاصيل الصغيرة قد يجعل العلماء يغفلون الصورة الكبرى للنظم البيئية.

وتؤكد أن المعرفة التقليدية لدى الشعوب الأصلية في كندا لطالما أدركت الترابط العميق بين عناصر الغابة، وهو ما تسعى أبحاثها الحديثة إلى تأكيده علميًا.

مشروع “الأشجار الأم”

منذ عام 2015 تقود سيمارد مشروعًا بحثيًا ضخمًا يعرف باسم Mother Tree Project يدرس تأثير ترك بعض الأشجار الكبيرة في مواقع قطع الأخشاب بدلًا من إزالة الغابة بالكامل.

وتشير النتائج الأولية إلى أن وجود هذه الأشجار يساعد الغابة على التعافي بصورة أسرع ويحافظ على التنوع البيولوجي.

كتاب جديد يمزج العلم بالحياة الشخصية

في كتابها الجديد When the Forest Breathes تمزج سيمارد بين البحث العلمي والسيرة الذاتية، حيث تتحدث عن تجربتها مع سرطان الثدي، وعن فقدان بعض المقربين منها، وعن ارتباط حياتها بالغابات التي درستها لعقود.

وتؤكد أن فهم دورة الحياة في الطبيعة يتطلب أيضًا فهم الموت والتجدد، وهي فكرة مركزية في فلسفتها البيئية.

الغابات ومستقبل المناخ

ترى سيمارد أن حماية الغابات وإدارتها بطريقة مستدامة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في مواجهة تغير المناخ.

ومع تزايد حرائق الغابات وتغير الطقس في كندا، أصبح كثير من الناس يشعرون بتأثيرات الأزمة المناخية في حياتهم اليومية، وهو ما قد يدفع إلى تغيير السياسات البيئية مستقبلاً.

Exit mobile version