وجهات نظر

د.عاطف معتمد: الجزيرة المُحرَّمة!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

إذا أردتَّ أن تعرفَ حقًّا أسوان في مشهدٍ رائع لا مثيل له؛ فاتَّجه إلى البر الغربي، وقفْ أعلى التل الشَّهير المعروف باسم “أبو الهوا”. لا تصحُّ زيارتك لأسوان إلا بصُعود هذا التلّ ورؤية أسوان من هذه الزاوية النادرة التي تكشفُ لك معالمَ النيل الأسطوري.

انظرْ إلى الجنوب، سترى جزيرتيْن شَهيرتيْن؛ الكبيرة منهما تسمَّى “إليفنتين” أو “جزيرة أسوان” والتي يسكنها البسطاءُ في الطرف الجنوبي، ويحتلُّها فندق مُعَوْلم في الطرف الشمالي. أما الجزيرةُ الأصغر فتسمَّى جزيرة النباتات، وسأسمِّيها هنا تجاوزًا الجزيرة المحرَّمة.

هذه الجزيرة مؤلَّفة من الجرانيت، مثلها مثل بقيةِ جزر نيل أسوان التي تَنتشر هنا بالعشرات فتفرقُ النهر وتشعِّب مَجراه حتى إنَّه يكاد يكون مثالًا مدرسيًّا للنهر المضفَّر الذي يشبِّهُه الجغرافيون بفتاةٍ ذاتِ شَعر حريريٍّ غزير وزَّعته على ضَفائر أو جَدائل بدلًا من تركه منسابًا مُنسدلًا في نهر واحد.

في هذا النهر المضفَّر تتلقَّى الجزرُ الجرانيتية كلًّا من طَمي النيل الأسود ورَمل الصحراء ذهبي اللون. الذي جاء من صحراء مصر الغربية.

بين رمال الصحراء وجزيرة أسوان تقع جزيرةُ النباتات التي عَرفنا اسمَها أولَ مرَّة على خريطة من زمن الاحتلال الإنجليزي.

تاريخُ هذه الخريطة يعودُ إلى 120سنة مضَت، وعليها نجد الجزيرةَ تَحمل اسم “جزيرة السردار”. والسردار كلمةٌ فارسية على ما يَبدو تعني: الحاكم العام أو رئيس الأركان، ويبدو أنها الصيغةُ المحرَّفة في المسمَّى العثماني: “الصدر الأعظم”.

لم يكتفِ رسّامو الخرائط في العهد الإنجليزي بأن يكتبوا على هذه الجزيرة اسمَ “جزيرة السردار” بل أضافوا إليها اسمًا بعَينه للسردار وهو “كيتشينر” الذي كان يقودُ- في نهاية القرن التاسع عشر- الحملةَ الإنجليزية للقضاء على الثورة المهديَّة التي كافحَت لوقف الاحتلال البريطاني على أرضها حين لعبت بريطانيا بذكاءٍ ماكرٍ على توريط الجيش المصري تحت عنوان الدفاع عن “السودان المصري” كي يبقى مصريًّا.

اتَّخذ كيتشينر من الجزيرة وموقعِها العبقري مقرًّا لقيادة الحرب في السودان، واستغلَّ وقتَ الراحة والتأمل في ممارسة هوايتِه بجَمع النادر والفريد من الأشجار والنباتات ليزرعَها في الجزيرة، وأتى بأشجارٍ ونباتات من عُمق آسيا ومَجاهل إفريقيا.

في نهاية العَهد الملكي في أربعينيات القرن العشرين غيَّرتِ المساحةُ المصرية التي أسَّسها الإنجليز اسمَ الجزيرة ليُصبح “جزيرة المـَـلـِـك” نسبةً على ما يبدو إلى الملك فؤاد الأول الذي أصبح الاسمَ الأشهر في السياسة المصرية بعد تَراجع دور الإنجليز الشكلي.

بعد قيام الجمهورية كان من المنطقي استثمارُ الثروة النباتية التي جمعَها كيتشينر والتي جعلت من الجزيرة متحفًا نادرًا للنباتات في أن تصبح جزيرةً للشعب متاحَة للزيارة والتجوُّل والراحة لكل مَن يأتي أسوان.

في كلِّ مرةٍ أزور فيها جزيرةَ النباتات ينتابني شعورٌ فريد يعود بي إلى سنِّ التلمذة في مدرسة إعدادية حين كانت مدرستُنا في الأصل قصرًا لأحد الأمراء. كنتُ أذهب مبكرًا قبل بدء الحصَص أو أتأخر قليلًا بعد انصراف التلاميذ وأدخُل الفصولَ التي هي في الأصل غرفٌ أميرية وأقفُ طويلًا في الشرفات أنظر إلى الحديقة الغنّاء التي كان يطلُّ منها أصحابُ ذلك القصر، مُتخيلًا كيف كانت حياتهم؟ وأين هم الآن!

استمرَّت هذه العادة معي بمرور الزمن، حتى إنَّني في كل بلدٍ أزورها في الخارج وأدخلُ قَصرًا تحول من الملكية إلى الجمهورية، فصار متحفًا أو مكتبة عامة؛ أقفُ طويلًا على السلالم الرخامية أتطلَّع في الأفق المفتوح مستدعيًا تاريخَ الغابرين.

خلال تجْوالك في جزيرة النباتات لا توجَد إشارة إلى كلِّ السطور التي ذَكرتها في هذا المقال، أغلبُ الناس هنا يأتون للتصوير أو المرح أو “فسحة في جنينة”, وقليلٌ يعرف تاريخَ المكان.

ليس من العَيب أن نقول للناس إنَّ هذه الجزيرة كانت مقرَّ محتلٍّ إنجليزي ثمَّ صارت جزيرة خاصَّة بالملك قبل أن تصبح جزيرةً للشعب.

الأممُ القوية لا تخشى ماضيها بل يمكنها أن تحوِّل مواطنَ ضعفها إلى عناصر قوة، وحين يحدث ذلك سينشَط خيالُ الزوار وتَنتعش عقولهم وتذهب بهم الصورُ والأخيلَة إلى زمن مضى وشعوبٍ تغيرت.

حين يعرف الزوار كلَّ ذلك سيقدِّرون المكان الذي يمشون فيه فلا يَعتبرونه مجردَ “فسحة” بل سيعرفون أنه موقع فريدٌ لأساطير قديمة، وتاريخٌ عميق فيتلمَّسون كلَّ مكان باعتباره موقعًا مقدسًا نابضًا بالحياة.. ماضيها وحاضرها.

الجزيرة المُحرَّمة

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading