وجهات نظر
د.عاطف معتمد: الجغرافيون والحرب والسلام!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
لماذا يغيب الجغرافيون عن المساهمة في تفسير وتحليل الأحداث الصاعقة لمنطقتنا العربية؟حتى أن أحسن الجغرافيين اليوم يجلس أمام قنوات الأخبار ليتابع ما يقوله الصحفيون الذين يترجمون المتسرب من المصادر الأجنبية.
لدينا سبعة أسباب على الأقل:
1. الجغرافيا علم تحرري، يقوم على إتاحة المعلومات ووفرتها وتخزينها واسترجاعها. كثير من معلومات أرضنا العربية تصنف ضمن المناطق العسكرية والتي تحمل لافتات ممنوع الاقتراب أو التصوير. وقد حال ذلك دون استكشاف وفهم الجغرافيين الوطنيين لمعظم الأراضي العربية.
2. توصلت الدول الغربية إلى خلق نموذج “الجغرافي الاستراتيجي” الذي يخدم السلطة في الدولة ولكنه يساهم في النشاط الثقافي العام، يعرف الحدود فيحتفظ بالمعلومات التي لا يجب عرضها ولكنه لا يتأخر عن المساهمة في التثقيف العام في وسائل الإعلام التي ينتظر فيها الشعب منه توضيحا وتبيانا. ولم ننجح في تبني هذا النموذج إلى اليوم.
3. وقوع عدد من الجغرافيين في بلادنا العربية في هوى التحيز الطائفي أو العرقي، وحين يشاركون في الثقافة العامة يقعون في هذا الفخ أو ذاك، وسرعان ما يصنفهم الناس بعدم الحيادية وينصرفون عنهم.
4. اضطرار عدد كبير من الجغرافيين إلى السفر للإعارة في الدول العربية الثرية، والتي لا تسمح لهم سوى بالتدريس وتمنعهم من الخوض في أي نقاش مثير وإلا فقدوا وظائفهم.
وحين تقع مشكلة بين الدولة الوطن وهذه الدولة الثرية فإن الجغرافي القادم للإعارة يضطر للسكوت في أحسن الأحوال، والبعض قد يتبرع فيكون ملكيا أكثر من الملوك أنفسهم!
5. وقوع عدد من الجغرافيين في مشكلة العمل السياسي والاقتراب المبالغ فيه من السلطة القائمة ومن ثم لا يستطيع الواحد منهم أن يطرح رأيا مفيدا مستقلا في ظل عدم وجود برامج عامة للدولة أو أحزاب أو مراكز أبحاث ذات رؤية استراتيجية.
6. الجغرافيون في عالمنا العربي موظفون في الجامعات، يضيع ثلاثة أرباع وقتهم في التدريس والتصحيح ومراقبة الامتحانات وأعمال الجودة والاعتماد، ولا يتبقى لهم وقتا للبحث العلمي إلا بنسبة 25 %، وهذا الوقت يوجه للأبحاث الفنية أو التقنية الضيقة ذات الصبغة العلمية التي تناسب النشر في المجلات العلمية المتخصصة من أجل الترقي الإداري، كأن نقرأ بحثا عن نسبة الأملاح في التربة، أو عن التعرية في منحدرات جبل أو هضبة، أو عن النمو السكاني لقرية أو مدينة، أو محاور شبكة الطرق في محافظة كذا…إلخ
7. المناخ العام الذي لا يسمح بالثقة في النفس وطرح الرأي وتقلص مساحة التعددية، وقلة فرص الحوار، وشكلانية الندوات والمؤتمرات.



