خصص المؤلف الاستعماري الذي أراجع كتابه عن قبائل الصحاري المصرية في مطلع القرن العشرين فصلا كاملا عن الإبل.
وتناول مسألة الـ “حداء“.
يقصد بـ “الحداء” غناء ينشده البدوي لإبله كي يحثها على السير. يقول المؤلف إن البدو في صحراء سيناء اكتشفوا سريان نشاط ملحوظ في أجساد الإبل إذا استمعت إلى أغاني البدو خلال الرحلات والسفر الطويل.
ولقد تطور بهذا الشكل نوع خاص من الأغاني ذات الإيقاع الموسيقي الخاص بتنظيم نشاط الإبل في الترحال.
وبينما أقرأ هذا الفصل تذكرت أنني كتبت خاطرة قبل عامين عن أغنية طابت لها نفسي من مواويل الشجن العراقي، تحمل اسم “يا حادي العيس”.
تقول المعلومات الأرشيفية إن موال “يا حادي العيس” من التراث العراقي القديم، غناه كثيرون عبر العصور اتساقا مع الشجن والحزن والفقد في بيئة العراق التي عرفت عصورا متوالية من الحزن.
تشبه البيئة في العراق بيئة مصر، إذ تجمع بين أرض الطين والخصب والنماء (دجلة والفرات) مع غلاف من الصحراء الذي يحيط بها ، وعند تماس الطين والرمل، وكذلك في عمق الصحراء، تقف بعض أديرة مسيحية للرهبنة.
من أشهر من غنى موال “حادي العيس” المطرب الكبير ناظم الغزالي، وفيه يتماهى مع الكلمات واللحن الشجي.
إذا استمتعت إلى الأغنية لاكتشفت مثالا على تجاور المعمور والمهجور أو الطين والصحراء. فالحبيب المتيم الذي يسكن الأرض الخصبة المزروعة يتفقد محبيه الذين خرجوا في قافلة عبر الصحراء من دون عودة.
يقول الموال على لسان الحبيب الذي يترقب مشهد الارتحال:
🔘لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم
وحمّلوها وسارت في الدجى الإبل
🔘 يا حادي العيس عرِّجْ كي أودعهـم
يا حادي العيس في ترحالك الأجـل
🔘 إني على العهد لم أنكر مودتهم
يا ليت شعري بطول البعد ما فعلوا
ينادي المحب على كل من بوسعه أن يدله على غايته، بداية من حادي العيس الذي يسوق الإبل في الصحراء، وصولا إلى راهب الدير الذي وقف يدق الناقوس معلنا وقت الصلاة.
🔘 لما علمت أن القوم قد رحلوا
و راهب الدير بالناقوس منشغلُ
🔘 شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا راهب الدير هل مرت بك الابلُ
🔘 يا راهب الدير بالإنجيـل تخبرنـي
عن البدور اللواتي ها هنـا نزلـوا
يفاجئك الموال بأن راهب الدير عاشق قديم، ويبدو أنه لجأ للرهبنة إثر فقد محب غال عزيز، فصار متيما هو الآخر بين جدران الدير، فالراهب الذي كان من الواجب أن يقدم العزاء للسائل إذا به يكشف عن عاشق قديم خلف عباءة الرهبنة :
🔘فحن لي وبكى وأنّ لي وشكى
و قال لي يا فتى ضاقت بك الحيلُ
🔘إن البدور اللواتي جئت تطلبها
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا
هكذا لم يبق للمحب الذي يسعى في الصحراء خلف الراحلين إلا خيبة الأمل فوقف– وقد شبك أصابع يده العشرة فوق رأسه – منشدا:
🔘 شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا حادي العيس لا سارت بك الإبـل
🔘 ليت المطايا التي سارت بهم ضلعت
يوم الرحيل فلا يبقـى لهـم جمـل
يسدل الستار على القصة القصيرة، ويقرر ناظم الغزالي نهاية تليق بالمشهد فيضيف عبارة تتماشى مع الموال التراثي الذي تشتهر به العراق من حزن وشقاء، فيختم قائلا:
” معلم على الصدعات قلبي ! ”
نقلا عن صفحته الشخصية عبر الفيس بوك




