صمامات دقيقة تتحكم في مصير الغابات مع تغير المناخ.. المعادلة الخفية التي تحدد نمو الأشجار

ارتفاع ثاني أكسيد الكربون لا يسرّع نمو الأشجار كما كان متوقعًا

من الناحية النظرية، يبدو الأمر بسيطًا: كلما زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء، امتصّت الأشجار كمية أكبر منه، ونمت أسرع، وخزّنت كربونًا أكثر، ما يساعد على تهدئة تغير المناخ، لكن الواقع في الغابات الطبيعية يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

فعلى مدار العقود الماضية، أظهرت القياسات طويلة الأمد أن نمو الأشجار وتخزينها للكربون لم يرتفع بشكل منتظم مع زيادة ثاني أكسيد الكربون، بل تذبذب بين تحسن طفيف، أو ثبات، بل وحتى تراجع في بعض الحالات، هذا التناقض حيّر العلماء: لماذا لا تستجيب الغابات بالطريقة «المنطقية» لزيادة الكربون في الغلاف الجوي؟

لغز بيئي لا يُحل بالكربون وحده

دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة ديوك الأمريكية وجامعة ووهان الصينية تشير إلى أن الخطأ كان في النظر إلى الكربون بمعزل عن الماء، فالشجرة، في حياتها اليومية، لا تتخذ قرارًا واحدًا فقط، بل توازن باستمرار بين حاجتين متعارضتين:

وقدّم الفريق نموذجًا جديدًا يتعامل مع هذا التوازن بوصفه مشكلة تحسين ديناميكي، وهو أسلوب شائع في الهندسة، لكنه نادر الاستخدام في علم البيئة النباتية.

الأشجار توفّر المياه عند ارتفاع CO₂ لكنها لا تنمو أسرع

وقال البروفيسور جابي كاتول، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ديوك:

«كان هناك افتراض شائع بأن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون سيؤدي تلقائيًا إلى نمو أسرع وتخزين أكبر للكربون، لكن التجارب الواقعية أظهرت أن عوامل بيئية أخرى تلعب دورًا حاسمًا. نحن الآن نفهم بعض الآليات الأساسية وراء ذلك».

ما الذي تقوله التجارب طويلة الأمد؟

استندت الدراسة إلى تجربتين ميدانيتين نادرتين:

في كلتا الحالتين، تم قياس النمو، وامتصاص الكربون، وسلوك الأوراق، والمتغيرات المناخية بدقة عالية.

النتيجة كانت واضحة: الأشجار لم تخزن كربونًا إضافيًا بالقدر الذي توقّعته النماذج التقليدية، والسبب لم يكن نقص الكربون… بل قيود الماء.

الأشجار تختار البقاء لا النمو في المناخ الأكثر حرارة وجفافًا

الثغور الورقية: صمامات حياة أو موت

ركز الباحثون على الثغور، وهي فتحات مجهرية في أوراق الأشجار تسمح بدخول ثاني أكسيد الكربون، لكنها في الوقت نفسه تُسرّب بخار الماء إلى الهواء.

عندما يرتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون:

لكن المشكلة تظهر مع الحرارة والجفاف:

يشرح كاتول ذلك بقوله:

«الثغور تشبه الصمامات التي تتحكم في كمية الماء التي تصعد إلى الأوراق وتخرج إلى الهواء».

توازن هش داخل الشجرة

داخل جذع الشجرة، ينقل نسيج يُسمى الخشب الوعائي (Xylem) الماء من الجذور إلى القمة، إذا فقدت الشجرة الماء بسرعة كبيرة، يمكن أن تنقطع هذه الأعمدة المائية، تمامًا مثل شفاط ينقطع داخله السائل، وهو خطر يزداد مع:

لذلك، في أيام الحر والجفاف، تختار الأشجار البقاء على قيد الحياة بدلًا من النمو السريع.

تحويل الفسيولوجيا إلى معادلات

قام الباحثون بتحويل هذا الصراع البيولوجي إلى نموذج رياضي يهدف إلى:

تمت معايرة النموذج باستخدام بيانات دقيقة من التجارب، شملت مراقبة استجابة الأوراق لتغيرات فورية في الحرارة والرطوبة وثاني أكسيد الكربون.

وعند تشغيل النموذج:

الخلاصة: ثاني أكسيد الكربون مهم، لكن «عطش» الهواء أهم.

الأشجار تختار البقاء لا النمو في المناخ الأكثر حرارة وجفافًا

تفسير سجلات الغابات المتناقضة عالميًا

عند تطبيق هذا الإطار على دراسات الغابات الاستوائية خلال 50 عامًا، بدت النتائج المتناقضة أكثر منطقية:

بمعنى آخر، تأثير الكربون يعتمد على التوازن المحلي بين الإمداد الكربوني والطلب المائي.

ليس مفتاحًا واحدًا لحل المشكلة

يشير الباحثون إلى أن هذا النموذج لا يفسر كل شيء. فهناك عوامل أخرى مؤثرة، مثل:

لكن الدراسة توفّر أساسًا قويًا لفهم العلاقة الجوهرية بين الكربون والماء، وهي علاقة تتخذ قراراتها على مستوى الورقة والشجرة.

ماذا يعني ذلك لتغير المناخ؟

الرسالة الأساسية ليست أن الغابات لن تساعد في مواجهة تغير المناخ، ولا أن «تسميد الكربون» وهم.
بل إن استجابة الغابات مشروطة.

في عالم أكثر حرارة وجفافًا:

بالنسبة لصناع القرار، فهذا يعني:

 

الخلاصة
زيادة الكربون في الهواء لا تعني بالضرورة زيادة الكربون في الخشب، بين الاثنين شبكة حية من الصمامات والتوازنات، صممتها الطبيعة أولًا من أجل البقاء… لا من أجل السرعة.

Exit mobile version