بينما أظهر الجوع العالمي مؤشرات على تراجع تدريجي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، تظل إفريقيا استثناءً مؤلمًا لهذه القاعدة.
فقد كشف تقرير جديد للأمم المتحدة بعنوان “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” أن معدلات الجوع عالميًا تراجعت للعام الثالث على التوالي، من 8.7% في عام 2022 إلى 8.2% في عام 2024.
غير أن هذا التقدم لم يشمل إفريقيا، بل ترك القارة تتأخر أكثر، حيث واصلت معاناة مقلقة من تفاقم انعدام الأمن الغذائي.
في عام 2024، كان أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص في إفريقيا – أي ما يزيد على 307 ملايين إنسان – يعانون سوء تغذية مزمن، أي أنهم لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء للحفاظ على حياة صحية ونشطة.
ويظل الأطفال الفئة الأكثر عرضة، بما في ذلك خطر التقزم، وضعف القدرات الإدراكية، وزيادة احتمالات الوفاة.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تعكس معاناة يومية، وسوء تغذية، وانتهاكًا لكرامة الإنسان على نطاق واسع.
كما أن ما يقرب من مليار إفريقي، أي نحو ثلثي سكان القارة، لا يستطيعون تحمل كلفة نظام غذائي صحي ومتوازن، ما يجعل الأزمة ليست إنسانية فحسب، بل أيضًا تهديدًا خطيرًا للصحة العامة، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي.
وفي كثير من الدول، تتحمل النساء والأطفال، ولا سيما في المناطق الريفية، العبء الأكبر، بسبب القيود الجغرافية وضعف البنية التحتية واستمرار أوجه عدم المساواة.
أكثر من نصف سكان إفريقيا يعانون اليوم من انعدام أمن غذائي
أكثر من نصف سكان إفريقيا يعانون اليوم من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، وهي النسبة الأعلى عالميًا، وأكثر من ضعف المتوسط العالمي. وتشير التوقعات إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستضم القارة بحلول عام 2030 نحو 60% من إجمالي الـ 512 مليون شخص الذين سيعانون سوء تغذية مزمن حول العالم.
تعود أسباب تفاقم الجوع في إفريقيا إلى عوامل متعددة ومتداخلة، أبرزها النزاعات المسلحة، وتغير المناخ، وعدم الاستقرار الاقتصادي، حيث يغذي كل منها الآخر في حلقة خطيرة تدفع الملايين إلى حافة المجاعة.
النزاعات المسلحة هي أحد أكثر العوامل إلحاحًا ودمارًا، إذ تسببت في تهجير العائلات، وتدمير المحاصيل، وتعطيل شبكات التجارة وتوزيع الغذاء، من القرن الإفريقي إلى الساحل، ومن شرق الكونغو الديمقراطية إلى المناطق التي مزقتها الحرب في السودان.
ففي السودان، أدى القتال العنيف إلى أوضاع شبيهة بالمجاعة في بعض المناطق، وخاصة في مخيمات النزوح.
أما تغير المناخ، فأصبح قوة دافعة لا يمكن تجاهلها في أزمة الجوع بالقارة.
أقل نسبة في الانبعاثات والأكثر تأثرا
ورغم أن إفريقيا تسهم بأقل نسبة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، فإنها تتعرض لأشد آثاره، من جفاف متكرر، وأمطار غير منتظمة، وتصحر، وكوارث مناخية متطرفة، أضعفت الإنتاج الزراعي في مناطق عديدة، خصوصًا في شرق وجنوب القارة.
فقد شهدت الصومال أحد أسوأ موجات الجفاف في تاريخها، ما أثر في نصف سكانها تقريبًا وتسبب في نزوح واسع النطاق.
وفي القرن الإفريقي وجنوب مدغشقر، أدت مواسم الأمطار الفاشلة إلى تدمير المحاصيل ونفوق الماشية، محدثة نقصًا حادًا في الغذاء من القرى إلى المدن.
التصحر بات يؤثر في ما يقرب من نصف مساحة القارة، محوّلًا الأراضي الخصبة إلى مساحات قاحلة.
إتلاف البنية التحتية وتلوث مصادر المياه
وفي الوقت نفسه، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة وتزايد الفيضانات والأعاصير إلى إتلاف البنية التحتية وتلوث مصادر المياه، تاركة المجتمعات الفقيرة أكثر عرضة للأمراض والجوع.
ومع استمرار تغير المناخ في التصاعد، ستتضاعف المخاطر ما لم تُنفذ استراتيجيات تكيف عاجلة وفعّالة.
إلى جانب ذلك، يفاقم عدم الاستقرار الاقتصادي الأزمة، ففي كثير من الأسواق الإفريقية، يتوفر الغذاء، لكنه غير متاح لمعظم السكان بسبب ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يتضرر منه بالأساس من يعيشون على أقل من دولارين يوميًا.
وتؤدي أوجه القصور البنيوية، مثل ضعف البنية التحتية، وعدم كفاءة نظم الغذاء، وانخفاض الاستثمار في الزراعة، إلى إضعاف الأمن الغذائي أكثر.
وفي المتوسط، يقطع الغذاء في إفريقيا مسافة تتجاوز 4,000 كيلومتر ليصل إلى الأسواق، وقد يستغرق ذلك أكثر من ثلاثة أسابيع، ما يتسبب في فقدان نحو ثلث الأغذية القابلة للتلف.
كما أن النمو السكاني يفوق وتيرة تحسن الإنتاج الزراعي، مما يصعّب تلبية الطلب المتزايد على الغذاء.
نهج شامل يعالج الاحتياجات الفورية وأسباب الأزمة الجذرية
ولا يمكن مواجهة هذه الأزمات المتشابكة عبر المساعدات الغذائية الطارئة فقط، بل تحتاج إفريقيا إلى نهج شامل يعالج الاحتياجات الفورية وأسباب الأزمة الجذرية.
ويجب أن تبدأ الأولويات العاجلة بتعزيز السلام وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع، عبر دعم جهود الوساطة، واتفاقات وقف إطلاق النار، والتدخلات الدبلوماسية. بالتوازي، يجب تمكين المنظمات الإنسانية من الوصول إلى النازحين والجوعى بالمساعدات الغذائية والمياه والرعاية الصحية.
كذلك، يتعين الاستثمار في الزراعة القادرة على التكيف مع المناخ، عبر التحول من الزراعة المعتمدة على الأمطار إلى نظم ري مستدامة، وتشجيع زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف، وتدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الذكية مناخيًا. كما يجب توسيع جهود الحفاظ على المياه، وإعادة تأهيل التربة، وزيادة المساحات الخضراء، إلى جانب بناء أنظمة إنذار مبكر لرصد الكوارث قبل أن تتحول إلى أزمات.
إصلاح نظم الغذاء المتهالكة يعد ركيزة أساسية، من خلال تحسين البنية التحتية الريفية لتقليل زمن النقل وتقليل الفاقد، وزيادة الاستثمار في البحوث الزراعية، وتمكين صغار المزارعين بالتمويل والأراضي والتكنولوجيا. كما يجب أن تضع الحكومات سياسات تشجع الإنتاج المحلي وتقلل الاعتماد على الواردات، مع تعزيز التعاون الإقليمي لإنشاء ممرات غذائية عابرة للحدود لضمان استقرار الإمدادات والأسعار.
الإصلاحات الاقتصادية وشبكات الأمان الاجتماعي ضرورية كذلك، من خلال ضبط التضخم، وإدارة الديون، وضمان الاستقرار المالي لحماية القوة الشرائية للأسر، مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية، مثل التحويلات النقدية، والأسواق المدعومة، وبرامج التغذية المدرسية، ودعم تغذية النساء الحوامل والأطفال.
وأخيرًا، يتطلب التصدي الفعّال لأزمة الجوع في إفريقيا تعاونًا دوليًا حقيقيًا وزيادة الدعم المالي.
فقد دعا برنامج الأغذية العالمي إلى توفير 5.7 مليار دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة، لكن المساهمات الحالية أقل بكثير من المطلوب. ويجب أن ترتبط المساعدات الإنسانية باستراتيجيات تنمية طويلة المدى تعزز القدرة على الصمود وتقلل الاعتماد على المعونات.
إن أزمة الجوع في إفريقيا تمثل تحديًا أخلاقيًا وسياسيًا عالميًا، إذ ولدت من رحم النزاعات، وتفاقمت بفعل تغير المناخ، وزادتها الهشاشة الاقتصادية سوءًا. وبينما يحرز العالم تقدمًا في خفض معدلات الجوع، تغرق إفريقيا في مزيد من المعاناة. إن عدم التحرك الحاسم لن يؤدي فقط إلى استمرار مأساة مئات الملايين، بل سيقوّض أيضًا الجهود العالمية لإنهاء الجوع. الوقت للعمل هو الآن، ولا يجب أن تُترك إفريقيا خلف الركب.
