تُعد بعض الجينات النباتية من الفئات التي يتعامل معها العلماء على أنها “خلفية صامتة”، تُعرف باسم الجينات المنزلية (Housekeeping genes)، وهي المسؤولة عن الوظائف الأساسية في الخلايا.
لكن فريقًا بحثيًا قرر اختبار هذه الفرضية عبر دراسة جين غير مألوف في الفراولة البرية، لا يحظى عادة بالاهتمام في أبحاث الطعم أو التغذية، وبتنشيط هذا الجين بنحو 50 ضعفًا، راقب العلماء كيف ستتغير خصائص الثمرة.
جين غير متوقع
الجين محل الدراسة يُعرف باسم FveIPT2، وينتمي إلى فئة من الجينات التي يُعتقد أنها مسؤولة فقط عن وظائف خلوية أساسية.
ويعمل هذا الجين ضمن منظومة هرمونات “السيتوكينين” النباتية، المرتبطة بالنمو والتفرع والإزهار، دون أن يُنظر إليه كعنصر مؤثر في جودة الثمار.
قاد الدراسة كل من الدكتور ليجون جان من جامعة نانجينغ الزراعية في الصين، والدكتور يي لي من جامعة كونيتيكت في الولايات المتحدة.
زيادة كبيرة في نشاط الجين
قام الباحثون بإنتاج نباتات فراولة معدلة وراثيًا تُظهر مستويات مرتفعة جدًا من نشاط الجين، حيث بلغت الزيادة في بعض السلالات نحو 49 ضعفًا مقارنة بالنباتات الطبيعية.
ورغم ذلك، نمت النباتات بشكل طبيعي وأزهرت في توقيتها المعتاد دون أي تأثير واضح على النمو الخارجي.
ثمار أكثر غنى دون تغير في الحجم
لم تُظهر النتائج أي اختلاف في حجم الثمار أو وزنها أو مستوى السكريات بينها وبين النباتات الطبيعية.
لكن التحليل الكيميائي كشف عن ارتفاع ملحوظ في جودة الثمار، حيث زادت نسبة الأنثوسيانين بنسبة 34% في السلالة الأعلى تعبيرًا للجين.
كما ارتفعت مركبات الفلافونويد والمركبات الفينولية، مع تحول لون الثمار إلى درجة أحمر أغمق.
زيادة كبيرة في مضادات الأكسدة
أظهر التحليل وجود تغيرات في 1,058 مركبًا كيميائيًا داخل الثمرة، منها نحو 700 مركب تأثر بشكل مباشر.
وسجلت بعض الأنواع من الأنثوسيانين زيادات كبيرة؛ إذ ارتفع مركب Cyanidin chloride بنحو 18 ضعفًا، بينما تضاعفت مركبات أخرى حتى 10 أضعاف.
وتُعد هذه المركبات مضادات أكسدة ترتبط بصحة القلب والجهاز العصبي.
تحسن في الرائحة والطعم
لم يقتصر التحسن على اللون فقط، بل شمل أيضًا المركبات العطرية.
فقد ارتفع عدد من التربينات المسؤولة عن رائحة الفراولة، أبرزها مركب linalool المسؤول عن النكهة الزهرية، بينما انخفض مركب α-pinene الذي يمنح نكهة راتنجية أقل جودة.
آلية غير متوقعة
المفاجأة أن التأثير لم يمر عبر المسار الهرموني التقليدي المتوقع، إذ لم تظهر الجينات المرتبطة بهرمون السيتوكينين أي نشاط متزايد.
هذا يشير إلى أن الجين يعمل عبر آلية مختلفة لم تُفهم بالكامل بعد، قد ترتبط بعمليات تنظيم داخل الخلايا.
آفاق زراعية جديدة
أجريت التجارب على الفراولة البرية المستخدمة في الأبحاث، وليس على الأصناف التجارية.
ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت النتائج ستتكرر في محاصيل أخرى مثل التفاح أو العنب.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة لتحسين جودة الفواكه دون التأثير على الإنتاج.
