صراعات جيوسياسية وتآكل القواعد الدولية.. هل يعيد العالم بناء التعاون من جديد؟

من التجارة إلى المناخ والصحة والذكاء الاصطناعي.. كيف يتغير شكل التعاون الدولي؟

يواجه التعاون الدولي ضغوطًا متزايدة بفعل التنافس الجيوسياسي والصراعات وتصاعد النزعات القومية وتراجع الالتزام المنهجي بالقواعد المنظمة للعلاقات الدولية، لكن صورة النظام العالمي ليست أحادية الاتجاه.

 

ففي الوقت الذي تتصدر فيه مظاهر الاضطراب عناوين الأخبار، تتشكل في المقابل إصلاحات ومسارات جديدة للتعاون، وفق تقرير حديث صادر عن المعهد الألماني للتنمية والاستدامة (IDOS).

 

ويحمل التقرير عنوان «الاضطراب والإصلاح: هل تواجه المستقبلات المستدامة خطرًا؟ حجة لصالح سياسات التعاون والمثابرة»، ويستند إلى أبحاث المعهد ومشورته للسياسات وشبكات التعاون المعرفي مع شركائه.

 

ويبحث التقرير في المجالات التي يجري فيها بالفعل تعديل أشكال التعاون الدولي أو إعادة بنائها، وكذلك الجهات القادرة على دفع هذه الإصلاحات إلى الأمام.

 

أوروبا وألمانيا أمام خيار التراجع أو إعادة بناء الشراكات

يرى مؤلفو التقرير أن ألمانيا وأوروبا لا ينبغي أن تستجيبا للتحولات في العالم عبر الانسحاب من التعاون الدولي، وإنما من خلال الاستثمار في سياسات التعاون والاستمرار في العمل المشترك.

 

ويتضمن ذلك تكييف المؤسسات القائمة، وبناء شراكات جديدة وتعميق الشراكات الحالية، إلى جانب إيجاد آليات عملية تمكّن الدول من التعاون حتى عندما يصبح الوصول إلى إجماع شامل أمرًا صعبًا.

 

ويركز التقرير على مجموعة من مسارات الإصلاح، من بينها التحولات المؤسسية، وتحالفات القوى المتوسطة، وأشكال التعاون بين مجموعات محددة من الدول، وتكييف المؤسسات، وإعادة تشكيل هياكل الشراكة والتمويل، إلى جانب تطوير ثقافات جديدة للتعاون وأدوار القيادة السياسية.

 

منظمة التجارة العالمية.. الاضطراب والإصلاح في الوقت نفسه

تقدم منظمة التجارة العالمية مثالًا واضحًا على التوتر بين الأزمات ومحاولات الإصلاح، ويواجه النظام التجاري متعدد الأطراف تحديات كبيرة، من بينها الرسوم الجمركية الأحادية، والتنافس الجيوسياسي، واستمرار تعطل آلية تسوية المنازعات التابعة للمنظمة.

 

لكن التقرير يشير إلى أن الاضطراب والإصلاح يحدثان بالتوازي، ومن أبرز الأمثلة تحرك 66 عضوًا في منظمة التجارة العالمية، يمثلون نحو 70% من التجارة العالمية، للمضي في تنفيذ اتفاق التجارة الإلكترونية بصورة مؤقتة خارج الإطار الرسمي للمنظمة، مع وجود هدف معلن يتمثل في دمج الاتفاق لاحقًا داخل النظام الرسمي.

 

كما تعمل مجموعات أخرى من أعضاء المنظمة على تطوير اتفاقات تتعلق بمجالات مثل الخدمات وتيسير الاستثمار.

 

ويرى التقرير أن هذه التطورات توضح إمكانية ظهور إصلاحات حتى عندما تكون المؤسسات الدولية تحت ضغط، فبدلًا من انتظار اتفاق شامل بين جميع أعضاء منظمة التجارة العالمية، تختبر مجموعات من الدول أشكالًا جديدة من التعاون في ملفات محددة.

 

وقد تسهم هذه المبادرات، بحسب التقرير، في ظهور بنية تجارية أكثر مرونة وهجينة، مع التحذير في الوقت نفسه من أن الاعتماد طويل الأمد على ترتيبات خارج منظمة التجارة العالمية قد يؤدي إلى مزيد من إضعاف النظام التجاري متعدد الأطراف.

 

الإصلاح لا يحتاج دائمًا إلى إعادة بناء النظام من الصفر

تمتد الفكرة الأساسية للتقرير إلى ما هو أبعد من التجارة، فالإصلاح، وفق هذا الطرح، لا يبدأ بالضرورة من إعادة تصميم شاملة للنظام الدولي، بل يمكن أن ينشأ تدريجيًا من خلال تحالفات بين الدول، وتكييف المؤسسات، والتعاون العملي في ملفات وسياسات محددة.

ولهذا يبحث التقرير في عدد واسع من المجالات، بينها:

ولا يقتصر مستقبل التعاون الدولي على الملفات السياسية والتجارية التقليدية.

فالقضايا البيئية والمناخية والصحية والتكنولوجية أصبحت جزءًا أساسيًا من التحديات العابرة للحدود، ما يجعل التعاون بين الدول والباحثين والمؤسسات أكثر ارتباطًا بمستقبل التنمية المستدامة.

ويضع التقرير الذكاء الاصطناعي أيضًا ضمن المجالات التي تحتاج إلى إعادة التفكير في أشكال التعاون الدولي، خصوصًا مع اتساع تأثير التكنولوجيا على التنمية والاقتصاد والمجتمع.

الإصلاح لا يحتاج دائمًا إلى إعادة بناء النظام من الصفر

وفي المقابل، يظل تمويل التنمية وتعبئة الإيرادات المحلية من القضايا التي تحدد قدرة الدول على تنفيذ التحولات المطلوبة، خصوصًا في البلدان النامية.

 

مستقبل غير محسوم.. لكن التعاون يتغير

لا يحاول التقرير التنبؤ بمستقبل واحد للنظام الدولي، بل يركز على تحديد مسارات سياسية وعملية يمكن من خلالها التعامل مع التحولات الجارية.

 

والخيط المشترك بين القضايا التي يناقشها التقرير هو أن الضغوط التي تواجه التعاون الدولي لا تعني بالضرورة نهايته.

فالدول والمؤسسات تبحث عن صيغ جديدة للعمل المشترك، سواء عبر تحالفات محددة، أو ترتيبات متعددة الأطراف بصورة جزئية، أو تكييف المؤسسات القائمة، أو بناء شراكات وتمويلات جديدة.

لكن التقرير يشير في الوقت نفسه إلى مفارقة أساسية: الأشكال الجديدة للتعاون يمكن أن تساعد على استمرار العمل الدولي، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى إضعاف المؤسسات متعددة الأطراف إذا تحولت البدائل المؤقتة إلى ترتيبات دائمة خارج النظام القائم.

وبين الضغوط الجيوسياسية والإصلاحات التدريجية، يبدو أن مستقبل التعاون الدولي لن يتحدد فقط من خلال قدرة الدول على الوصول إلى إجماع شامل، وإنما أيضًا من خلال قدرتها على إيجاد مساحات عملية للتعاون حتى في ظل الخلاف.

↑
Exit mobile version