كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة مدينة نيويورك بقيادة نيفين كوهين وزملاؤها، أن الهدر الغذائي في المنازل الأمريكية لا يمكن تفسيره بالعوامل الديموغرافية التقليدية وحدها، مثل العمر أو مستوى الدخل، بل يتأثر بشكل رئيسي بالعادات الشرائية والسلوكيات النفسية المرتبطة بالطعام.
ونُشرت الدراسة في دورية Foods لعام 2025.
درس الباحثون أنماط الهدر الغذائي في حوالي 1000 أسرة أمريكية من مناطق حضرية وريفية مختلفة، من خلال استطلاع شامل جمع معلومات عن:
– عادات الشراء: مدى التخطيط للوجبات، استخدام القوائم، تفضيل التسوق المسبق مقابل العفوي.
– المواقف تجاه الهدر الغذائي: وعي الأسرة بتأثير الهدر على البيئة والاقتصاد، ومدى اهتمامها بتقليل الفائض.
– السلوك الفعلي للهدر: تواتر الهدر اليومي أو الأسبوعي، أنواع الطعام الأكثر هدرًا، وطرق التخلص منه مثل رميه في القمامة أو التسميد.
تحليل المجموعات والسلوكيات
استخدم الباحثون تقنيات التحليل العنقودي بالاعتماد على نظرية السلوك المخطط (Theory of Planned Behavior) لتصنيف المستجيبين وفق العوامل النفسية والسلوكية، بدلاً من الاقتصار على العمر أو الدخل.
أظهر التحليل وجود ثلاث مجموعات متميزة من المستهلكين:
1- المخططون المنظمون 40%
يتبعون أسلوب تسوق دقيق ومنهجي، ويعدون قوائم منظمة قبل التسوق.
يمارسون سلوكيات واضحة لتقليل الهدر، مثل مراقبة تواريخ انتهاء الصلاحية، وتخزين الطعام بشكل فعال.
يحرصون على استخدام جميع المكونات ويعيدون تدوير فائض الطعام أو تحويله إلى وجبات جديدة.
2- المخططون المرنون (Flexible Planners) 47 %
لديهم وعي وإرادة قوية لتقليل الهدر، لكن عادات التسوق أكثر عفوية وغير صارمة.
قد يشترون كميات إضافية أحيانًا أو يعتمدون على الإلهاء اللحظي أثناء التسوق، ما يؤدي إلى هدر أقل من الفئة الثالثة، لكنه أكثر من الفئة الأولى.
يمثلون غالبية الأسر التي تحاول التوازن بين الراحة والفعالية في إدارة الطعام.
2- الهدرون الشباب (Younger Wasters) 13 %
تتسم هذه الفئة بالعمر الأصغر والحالة الاقتصادية الأقل، مع عادات تسوق عفوية تقريبًا وافتقار للتخطيط.
معدل الهدر لديهم يصل إلى سبع مرات أسبوعيًا مقارنة بـ4.5 مرات للمجموعتين الأخريين.
يركز الهدر بشكل خاص على البروتينات، الزيوت، والحبوب، بينما لا يظهر زيادة كبيرة في هدر الفواكه والخضروات.
يشير الباحثون إلى أن هذه الفئة، رغم محدودية الدخل، تهدر المواد الغذائية الأغلى، ما يشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا كبيرًا.
التفسيرات العلمية والبيئية
توصل الباحثون إلى أن السلوك الغذائي والهدر مرتبطان بعوامل متعددة تشمل:
– التخطيط المسبق للوجبات: يقلل الهدر من خلال تحديد الاحتياجات بدقة.
– المواقف النفسية نحو المسؤولية البيئية: الأسر الواعية أكثر حرصًا على استهلاك كل المنتجات.
– المرونة في التسوق: بينما تتيح المرونة حرية أكبر، فإنها تزيد فرص شراء فائض ينتهي بالهدر.
توصيات السياسات
تؤكد الدراسة، أن الحملات الوطنية الموحدة للحد من الهدر الغذائي غالبًا ما تكون أقل فاعلية مقارنة بالاستراتيجيات الموجهة، وبناءً على النتائج:
– يجب تقديم دعم خاص للفئة الأكثر هدرًا (الهدرون الشباب) عبر برامج تعليمية حول التخطيط للوجبات، تخزين الطعام، والتحكم في الحصص.
– يمكن تشجيع المخططين المرنين على اعتماد أدوات رقمية تساعدهم على متابعة استهلاك الطعام وتقليل الفائض.
– للمخططين المنظمين، تكمن الفائدة في نشر أفضل الممارسات كنماذج يحتذى بها لبقية الأسر.
يختتم كوهين بالقول: “العمر والدخل ليسا سبب الهدر بمفردهما، بل تتداخل مع سلوكيات الشراء والمواقف النفسية لتحدد حجم الهدر، فهم هذه العوامل يوفر للسياسيين أداة قوية لتصميم برامج فعالة ومحددة تستهدف الأسر الأكثر حاجة للتدخل”.
