تتغير القدرات العقلية مع التقدم في العمر، لكن هذه التغيرات لا تحدث بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص. ففي الوقت الذي يواجه فيه بعض كبار السن تراجعًا في بعض الوظائف المعرفية، يتمكن آخرون من الحفاظ على مستوى قوي من الأداء في مجموعة واسعة من المهام الذهنية.
وتحاول دراستان أجراهما باحثون من المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة (SISSA) في مدينة ترييستي الإيطالية، تفسير أسباب هذه الاختلافات، مع التركيز على مفهوم الاحتياطي المعرفي، وهو مجموعة الموارد والقدرات العقلية التي تتراكم لدى الإنسان من خلال التعليم والعمل والأنشطة التي تحفز العقل طوال الحياة.
الخبرات المتراكمة تدعم القدرات الذهنية
ركزت إحدى الدراستين على اللغة والقدرة على استرجاع الكلمات، إذ بحثت في أداء الأشخاص خلال الثواني الأولى من مهمة تتطلب منهم إنتاج أكبر عدد ممكن من الكلمات بسرعة.
وقالت إليزابيتا بيسانو، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن النتائج أظهرت أن كبار السن الذين يتمتعون بمستويات أعلى من الاحتياطي المعرفي استطاعوا تحقيق أداء لغوي يقترب من أداء الأشخاص الأصغر سنًا.
وأوضحت أن الباحثين ركزوا على ما يحدث خلال الثواني العشر الأولى من مهمة الطلاقة اللفظية، وهي الفترة التي يبحث خلالها الشخص عن الكلمات المناسبة للتعبير عن أفكاره.
وأظهرت النتائج أن الثواني العشر الأولى كانت كافية للكشف عن تأثير كل من التقدم في العمر والاحتياطي المعرفي على سرعة استرجاع الكلمات.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاحتياطي المعرفي قد يساعد كبار السن على الحفاظ على مهارات لغوية قوية، بما في ذلك القدرة على الوصول إلى الكلمات واسترجاعها بسرعة.
الكلمات الإيجابية كانت أسهل في الاسترجاع
ولم يكن الجانب العاطفي للكلمات بعيدًا عن النتائج المتعلقة باللغة، إذ تبين أن كبار السن كانوا أكثر قدرة على استرجاع الكلمات المرتبطة بالمشاعر الإيجابية مقارنة بالكلمات المرتبطة بالمشاعر السلبية.
وقالت بيسانو إن كبار السن يسترجعون الكلمات المرتبطة بالمشاعر الإيجابية بسهولة أكبر من الكلمات المرتبطة بالمشاعر السلبية.
وأضافت أن النتائج تشير إلى أنه، إلى جانب الدور الوقائي المحتمل للاحتياطي المعرفي، فإن القيمة العاطفية للكلمات تسهم أيضًا في الأداء اللغوي.
الذاكرة العاملة تحت المجهر
أما الدراسة الثانية، فركزت على الذاكرة العاملة، وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة واستخدامها أثناء أداء مهمة معينة.
وقارنت الباحثة الرئيسية ستيفانيا لوتشيا بين دور الاحتياطي المعرفي والذكاء العاطفي، بهدف فهم ما إذا كان لكل منهما تأثير مختلف عندما تكون المشاعر جزءًا أساسيًا من مهمة الذاكرة العاملة أو عندما تكون غير مرتبطة بها.
وشملت الدراسة 45 شخصًا من كبار السن الأصحاء، تراوحت أعمارهم بين 65 و84 عامًا.
وعرض الباحثون على المشاركين صورًا لوجوه سعيدة وغاضبة ومحايدة، وطُلب منهم تحديد ما إذا كان التعبير العاطفي أو الفئة العمرية للوجه يتطابق مع وجه شاهدوه في وقت سابق.
وفي نسخة أسهل من الاختبار، كان على المشاركين الاعتماد على الوجه السابق مباشرة، بينما تضمنت النسخة الأصعب وجهًا ظهر قبل صورتين في تسلسل الاختبار.
وأظهرت النتائج أن المشاركين كانوا أقل دقة وأبطأ في المهمة الأكثر صعوبة.
لكن ارتفاع مستوى الاحتياطي المعرفي ارتبط بدقة أفضل في الأداء، ولم يتغير هذا الارتباط باختلاف مستوى صعوبة المهمة أو تعبيرات الوجه أو ما إذا كان المشاركون يركزون على المشاعر أو العمر.
وقالت لوتشيا إن النتائج تشير إلى أن الاحتياطي المعرفي يعزز دقة الأداء بصورة مستقلة عن ظروف التجربة، بما يشير إلى دوره الأساسي في دعم القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات المطلوبة لأداء المهمة ومعالجتها.
المشاعر تؤثر في كفاءة الأداء
ظهر تأثير المشاعر بصورة أكبر عندما كان المشاركون مطالبين بتقييم تعبيرات الوجوه.
وفي هذه الحالة، ارتبطت الوجوه السعيدة باستجابات أسرع ودقة أعلى مقارنة بالوجوه الغاضبة.
وقالت لوتشيا إن أداء كبار السن يتحسن عندما تتضمن المهمة محتوى عاطفيًا، مشيرة إلى أنهم يبدو أنهم يصبحون أكثر كفاءة في هذه الحالة.
أما الذكاء العاطفي، الذي يشير إلى القدرة التي يقيّم بها الأشخاص أنفسهم في التعرف على المشاعر وفهمها وإدارتها واستخدامها، فلم يرتبط بارتفاع الدقة الإجمالية للأداء، لكنه ارتبط بسرعة الاستجابة للوجوه السعيدة.
وأوضحت لوتشيا أن الذكاء العاطفي يؤثر في الطريقة التي يعالج بها الأشخاص المعلومات ويستجيبون لها، وهو ما ينعكس في النهاية على أدائهم.
وأضافت أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات أعلى من الذكاء العاطفي قد يستغرقون وقتًا أطول في الاستجابة للمثيرات العاطفية، ربما لأنهم يخصصون قدرًا أكبر من الانتباه والموارد المعرفية لمعالجتها.
وأكدت أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المهمة أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة إليهم، وإنما قد يعكس معالجة أعمق وأكثر شمولًا للمعلومات العاطفية.
نتائج تحتاج إلى تفسير حذر
ومع ذلك، تؤكد الدراسة ضرورة التعامل بحذر مع تفسير الاختلافات في أوقات الاستجابة.
فالبحث لم يقس العمليات العقلية التي تقف وراء الاستجابات بشكل مباشر، ولذلك فإن تفسير زيادة وقت المعالجة باعتبارها دليلًا على معالجة عاطفية أعمق يظل احتمالًا مطروحًا وليس نتيجة مثبتة بشكل قاطع.
كما أن حجم العينة كان محدودًا نسبيًا، واقتصرت هذه الدراسة على كبار السن.
ومن الممكن أيضًا أن تكون الوجوه السعيدة والغاضبة مختلفة في شدة المشاعر التي تثيرها أو في درجة جذبها لانتباه المشاركين، وهو ما قد يكون أثر في نتائج الأداء.
كذلك، اعتمد قياس الذكاء العاطفي على تقييم المشاركين لقدراتهم بأنفسهم.
وبالتالي، فإن النتائج تكشف عن وجود ارتباطات بين هذه العوامل والأداء المعرفي، لكنها لا تثبت أن بناء الاحتياطي المعرفي أو زيادة الذكاء العاطفي يمكن أن تمنع التراجع المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر.
شيخوخة السكان تفرض تحديات أوسع
وضعت البروفيسورة رافاييلا روميّاتي، عالمة الأعصاب في SISSA والباحثة الرئيسية في الدراستين، النتائج في إطار برنامج بحثي إيطالي أوسع لدراسة الشيخوخة.
وقالت روميّاتي إن الدراستين أُجريتا ضمن برنامج Age-It: Ageing Well in an Ageing Society، وهو برنامج بحث وطني واسع أسس بنية بحثية وبيانات مخصصة لدراسة الشيخوخة من زوايا متعددة، تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والطبية الحيوية والتكنولوجية.
وأشارت إلى أن إيطاليا، إلى جانب اليابان، تعد من بين الدول التي تتمتع بأعلى متوسطات العمر المتوقع في العالم، موضحة أن هذا الإنجاز الاستثنائي يفرض في الوقت نفسه تحديات جديدة.
ومع زيادة أعداد كبار السن، سيحتاج المزيد من الأشخاص إلى خدمات الرعاية الصحية والرعاية طويلة الأجل.
ومن ثم، فإن الحفاظ على القدرات العقلية لأطول فترة ممكنة يمكن أن يسهم في تحسين جودة الحياة وتقليل الضغوط الواقعة على أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية.
فهم أفضل للشيخوخة المعرفية الصحية
وترى روميّاتي أن هذه الأبحاث يمكن أن تساعد في تطوير الطريقة التي تتم بها دراسة الشيخوخة، فضلًا عن تحديد العوامل المرتبطة بالحفاظ على الأداء العقلي القوي في مراحل متقدمة من العمر.
وقالت إن البحث يمكن أن يسهم في اتجاهين رئيسيين: تحسين الأدوات والمنهجيات المستخدمة في دراسة الشيخوخة المعرفية، وتحديد العوامل التي تساعد على حماية الوظائف المعرفية مع تقدم الإنسان في العمر.
وأضافت أن النتائج تظهر أن الحياة التي تتضمن قدرًا كبيرًا من التحفيز الفكري تساعد على الحفاظ على مجموعة واسعة من الوظائف المعرفية، بدءًا من اللغة ووصولًا إلى الذاكرة العاملة.
كما سلطت الدراستان الضوء على أهمية المشاعر، التي يبدو أنها تسهم بصورة مهمة في كفاءة العمليات المعرفية.
وبصورة عامة، تشير النتائج إلى وجود علاقة بين الاحتياطي المعرفي والقدرات العاطفية من جهة، وقوة الأداء في بعض المهام العقلية لدى كبار السن من جهة أخرى.
وتدعم الدراستان فكرة أن الخبرات العقلية المتراكمة طوال الحياة والقدرات العاطفية قد ترتبطان بجوانب مختلفة من الأداء المعرفي في مراحل العمر المتقدمة.
ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كانت هذه العوامل تؤثر بالفعل في مسار تطور القدرات المعرفية مع التقدم في العمر، وكيف يمكن أن تسهم في الحفاظ على صحة الدماغ والقدرات العقلية على المدى الطويل.
ونُشرت الدراسة في دورية Brain Sciences.
